وأهل الشام فرحوا فرحا شديدا ، بموت ذلك البطل المجاهد « 1 » لمحض أنّه كان يناصر إمام وقته المنصوص عليه والمجمع على خلافته . ولا غرو فإنّه كان يسرّ ابن هند كلّ ما ساء ملّة الحقّ وأئمّة الهدى وأولياء الصلاح . وما كان يسعه أن يأتي بطامّة أكبر من هذه لو لم يكن في الإسلام للنفوس القادسة أيّ حرمة ، وللأئمّة عليهم السّلام ومناصريهم أيّ مكانة ، حتّى لو كان معاوية مستمرّا على ما دأب عليه إلى أخريات عهد النبوّة من الكفر المخزي فلم يحده الفرق من بارقة الإسلام إلى الاستسلام ، فما جاء زبانيته الكفرة يومئذ بأفظع من هذه وأمثالها يوم قتلوا خيار أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وآله لمناصرتهم إيّاه ، وحبّهم ذوي قرباه ، ودفاعهم عن ناموس أهل بيته الأكرمين .
محمّد بن أبي بكر :
ومن ضحايا ملك معاوية العضوض ، وذبائح حكومته الغاشمة ، وليد حرم أمن اللّه ، وربيب بيت العصمة والقداسة : محمّد بن أبي بكر .
وجّه معاوية عمرو بن العاص في سنة ثمان وثلاثين إلى مصر في أربعة آلاف ، ومعه معاوية بن حديج ، وأبو الأعور السّلمي ، واستعمل عمرا عليها حياته فالتقوا هم ومحمّد بن أبي بكر - وكان عامل عليّ عليها - بالموضع المعروف بالمسنّاة فاقتتلوا حتّى قتل كنانة بن بشر ، وهرب عند ذلك محمّد لإسلام أصحابه إيّاه وتركهم له ؛ فاختبأ عند رجل يقال له : جبلة بن مسروق ، فدلّ عليه ، فجاء معاوية بن حديج وأصحابه فأحاطوا به ، فخرج إليهم محمّد بن أبي بكر فقاتل حتّى قتل ؛ فأخذه معاوية بن حديج وعمرو بن العاص فجعلوه في جلد حمار وأضرموه بالنار ؛ وذلك بموضع في مصر يقال له :
هامش
( 1 ) - تاريخ ابن كثير 7 : 312 [ 7 / 347 ، حوادث سنة 38 ه ] .