وليتني أدري ممّ كان يغتمّ عثمان من مكان أمير المؤمنين عليه السّلام بالمدينة ؟ ! ووجوده رحمة ولطف من اللّه سبحانه وتعالى على الامّة جمعاء لا سيّما في البيئة الّتي تقلّه ، يكسح عن أهلها الفساد ، ويكبح جماح المتغلّبين ، ويقف أمام نعرات المتهوّسين ، ويسير بالناس على المنهج اللاحب سيرا صحيحا .
نعم ، يغتمّ به سماسرة النهمة والشره فيروقهم بعاده « 1 » ليهملج كلّ منهم إلى غاياته قلق الوضين « 2 » . وما كان هتاف الناس به يومئذ إلّا لأن يقيم أود الجامعة ، ويعدّل الخطّة العوجاء ، ويقف بهم على المحجّة الواضحة ، غير أنّ ذلك الهتاف لا يروق من لا يروقه ذلك كلّه ؛ فالاغتمام به جناية على المجتمع الدينيّ ، ووقوف أمام سير الصالح العام .
ولعمر اللّه إنّ هذه القوارص هي الّتي فتحت باب الجرأة على أمير المؤمنين بمصراعيه طيلة حياته ، وهتكت منه حجاب حرمته وكرامته ، وأطالت عليه ألسنة البذاءة والوقيعة فيه . وعثمان هو الّذي أزرى الإمام في الملأ الدينيّ ، وصغّره في أعين الناس وجرّأ عليه طغام الامويّين وسفلة الأعراب ، فباذأه أبناء اميّة وهم على آسال خليفتهم اتّخذوه أسوة وقدوة في شتيمته وقذيعته وآذوا نبيّهم في أخيه علم الهدى ؛
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً
« 3 » .
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
« 4 » .
وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا
هامش
( 1 ) - [ « البعاد » : المباعدة . ]
( 2 ) - [ « الوضين » : بطان منسوج بعضه على بعض يشدّ به الرحل على البعير . وقوله : « قلق الوضين » أي : سريع الحركة يوصف بالخفّة وقلّة الثبات ؛ كالحزام إذا كان رخوا .
وقوله عليه السّلام لبعض أصحابه : « إنّك لقلق الوضين » كناية عن ضعف الرأي والعقيدة ؛ انظر مجمع البحرين 4 / 517 ؛ النهاية لابن الأثير 5 / 199 ] .
( 3 ) - الأحزاب : 57 .
( 4 ) - التوبة : 61 .