أنّه كان يماثل مولانا عليّا في إحدى فضائله ، أو يدانيه في شيء منها ، أو يبعد عنه بقليل .
وبعد ما عرفت معنى الخلافة عند القوم ، ووقفت على رأي سلفهم فيها وفي مقدّمهم الخليفة الأوّل ، هلمّ معي إلى التهافت بين تلكم الكلمات وبين مزاعم أخرى جنح إليها لفيف آخر ؛
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
« 1 » .
قال أحمد بن محمّد الوتري البغداديّ في روضة الناظرين « 2 » :
إعلم أنّ جماهير أهل السنّة والجماعة يعتقدون أنّ أفضل الناس بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أبو بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ عليّ رضي اللّه تعالى عنهم ، وأنّ المتقدّم في الخلافة هو المقدّم في الفضيلة ؛ لاستحالة تقديم المفضول على الفاضل ؛ لأنّهم كانوا يراعون الأفضل فالأفضل .
والدليل عليه : أنّ أبا بكر رضى اللّه عنه لمّا نصّ على عمر رضى اللّه عنه قام إليه طلحة رضى اللّه عنه فقال له : ما تقول لربّك وقد ولّيت علينا فظّا غليظا ؟ قال أبو بكر رضى اللّه عنه : فركت لي عينيك ، ودلكت لي عقبيك ، وجئتني تكفّني عن رأيي ، وتصدّني عن ديني ، أقول له إذا سألني : خلّفت عليهم خير أهلك ؛ فدلّ على أنّهم كانوا يراعون الأفضل فالأفضل .
وأنت ترى أنّ هذه المزعمة فيها دجل لإغراء البسطاء من الامّة المسكينة وهي تصادم رأي الجمهور ونظريّات علماء الكلام منهم ، وعمل الصحابة ونصوصهم ، وقبل كلّ شيء رأي الخليفة أبي بكر . وكأنّ ما حسبه من الاستحالة قد خفي على الخليفة وعلى من آزره على أمره ، واعتنق إمامته في
هامش
( 1 ) - النساء : 82 .
( 2 ) - روضة الناظرين : 2 .