وقَدَر " . فقال له الشيخ : عند الله أحْتَسِبُ عَنائي يا أمير المؤمنين ؟ فقال له : " مَهْ يا شيخُ ،
فوالله لقد عَظَّمَ اللهُ الأجرَ في مسيركم وأنتم سائرون ، وفي مقامِكم وأنتم مقيمون ، وفي
مُنصرفِكم وأنتم منصرفون ، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مُكرَهين ولا إليه
مُضطرّين " .
فقال له الشيخ : وكيف لم نَكُنْ في شيء من حالاتنا مُكرَهين ولا إليه مُضطرّينَ وكان
بالقضاء والقَدَرِ مَسيرُنا ومُنقلبُنا ومُنصَرَفُنا ؟ فقال له : " وتَظُنُّ أنّه كانَ قضاءً حتماً وقدراً لازماً ؟
شرح
وما عملوه في مسيرهم لجهاد أهل الشام : هل كان بقضاء الله وقَدَره ؟ والظاهر من
القضاء - إذا استُعمل مع القَدَر - الإيجابُ الذي منه سبحانه في طريق الإيجاد ، لا
الإيجابُ التكليفي من الطلب الحتمي للفعل كما في الأمر ، أو للكفّ عن الفعل ، أو
تركه كما في النهي ، ولا الإعلام ، فالأولى أن يُحمل القضاء في هذا الحديث على
ذلك الإيجاب ، لا على أحد من الأخيرين ، فلنحمله عليه كما هو الظاهر من كلام
السائل ؛ حيث قرنه بالقَدَر ، وحيث استفهم عن احتسابه عند الله بعَنائه وتعبه ومشقّته
في إتيانه بتلك الأفعال والأعمال استفهاماً إنكاريّاً .
وحيث راجع في السؤال بعد الردّ عليه في الجواب بقوله ( عليه السلام ) : ( مَهْ يا شيخ ) إلى
قوله : ( ولا إليه مضطرّين ) فأعاد ( 1 ) السؤالَ بقوله : ( وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا
مكرهين ولا إليه مضطرّين ، وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا ) .
وحينئذ فتقرير جوابه ( عليه السلام ) أنّ القضاء والإيجاب في طريق الإيجاد على قسمين :
أحدهما : الإيجاب بمدخليّة قدرة العبد وإرادته ، فلا إيجاب منه سابقاً عليهما ،
وإنّما المؤدّي إلى الإكراه والاضطرار الإيجابُ السابق عليهما لا الإيجاب بهما .
والثاني : الإيجاب لا بمدخليّة القدرة والإرادة من العبد ، وهو المراد بالقضاء الحتم
والقَدَرِ اللازم . وهذا القسم من الإيجاب هو المؤدّي إلى الإكراه والاضطرار ، فقول
هامش
1 . في " ل " : " وأعاد " .