بغير الذي يُبْصِرُ ، ويُبْصِرُ بغير الذي يَسمَعُ ، قال : فقال : " كَذَبوا وألحدوا وشَبَّهوا ، تعالى
اللهُ عن ذلك ، إنّه سميعٌ بصيرٌ ، يَسمَعُ بما يُبصِرُ ، ويُبصِرُ بما يَسمَعُ " . قال : قلتُ :
يَزْعُمونَ أنّه بصيرٌ على ما يَعقِلونَه ، قال : فقال : " تعالى الله ، إنّما يَعْقِلُ ما كان بصفة
المخلوق ، وليس الله كذلك " .
شرح
المشاركة ؛ لتشخّصه بذاته ، وبصمديّته كونُه غيرَ محتمل لأن يحلّه غيرُه ، فلا يصحّ
عليه الخلوّ عمّا يمكن أن يدخل فيه ، وبأحديّته أن لا يصحّ عليه الائتلاف من معان
متعدّدة ، أو الانحلال إليها .
وقوله : " ليس بمعان كثيرة " تفسير لأحديّ المعنى . ويحتمل أن يكون بمنزلة
المفسِّر لكلّ واحد من الثلاثة ، فإنّ ما يصحّ عليه المشاركة يكون لا محالة له حقيقة
وتشخّص متغايران ، وما يصحّ عليه القبول لشيء وحلولُ الشيء فيه يكون مستكملا
بمعان كثيرة مختلفة ، والأخير ظاهر ؛ فبنفي المعاني الكثيرة المختلفة يتصحّح
الواحديّة والصمديّة والأحديّة .
وقوله : ( إنّه يسمع بغير الذي يبصر ، ويبصر بغير الذي يسمع ) أي مناط الإبصار
فيه غيرُ مناط السمع ، وبالعكس .
ولمّا كان هذا إنّما يصحّ بالتألّف والتركّب ردَّ عليهم بقوله : ( كذبوا وألحدوا
وشبّهوا ) أي قالوا بما لا يطابق الواقع ، ومالوا عمّا هو الحقّ في توحيده سبحانه من
أحديّته ، وشبّهوه بمخلوقه ( تعالى الله عن ذلك ) علوّاً كبيراً .
ثمّ صدع بالحقّ وقال ( يسمع بما يبصر ، ويبصر بما يسمع ) أي مناطهما فيه
سبحانه واحد ، ويصحّ على مناط إبصاره أن يكون مناطاً لسمعه ، ويصحّ على مناط
سمعه أن يكون مناطَ إبصاره ، فلا يستدعي الاختلاف بينهما - حيث لم يصحّ تعلّق
أحدهما بمتعلّق الآخر - اختلافَ مناطهما فيه سبحانه ؛ فإنّه مناط لكلّ واحد منهما
بذاته الأحديّة .
وقوله : ( يزعمون أنّه بصير على ما يعقلونه ) أي من إبصارهم وإبصار أشباههم
للمبصَرات .