ولا قَوِىَ بعد ما كَوَّنَ الأشياءَ ، ولا كانَ ضعيفاً قبلَ أن يُكَوِّنَ شيئاً ، ولا كانَ مُستوحِشاً قبلَ
أن يَبتَدِعَ شيئاً ، ولا يُشْبِهُ شيئاً مذكوراً ، ولا كانَ خِلْواً من المُلْكِ قبلَ إنشائه ، ولا يكونُ
شرح
بالمعنى المعبّر عند أهل العرف وأهل العلم من قدماء المتكلّمين من أنّ المكان ما
يعتمد عليه الشيء ، أو أنّه البُعد الموهوم .
وبالجملة ، فبنفي كونه في شيء وكونه على شيء انتفى كونُه صفةً لشيء ، وصورةً
له ، ومحاطاً بشيء من الأمكنة والأجسام ، وكونُه ذا وضع بالنسبة إلى شيء ، ومحيطاً
بشيء من الأجسام وذوات الأوضاع .
وإذا لم يكن مبتدِعاً مكاناً لمكانه ، أي ليكون مكاناً له ، أو لمنزلته بأن يكون
المراد من المكان المنزلةَ ، أو يكونَ لمَكانة ، أي لمنزلة ، لا " لمكانه " بالإضافة إلى
الضمير ، لم يكن له مكان عرفي ، كالسرير يتّخذه الملك ليكون مكاناً له يترفّع به
على الخَدَم والرعيّة ، فهو مكان له بمعنى أنّه يليق بشرفه ومنزلته وإن لم يجلس
عليه ، فليس له المكان بهذا المعنى ؛ لأنّه لا شيء يليق بعزّ جلاله يترفّع به ، و ( 1 ) لا
يصحّ ذلك المعنى إلاّ لمن شأنه التمكّن في المكان .
وقوله : ( ولا قوي بعد ما كَوّنَ الأشياء ) أي لم يحصل له القوّة والتسلّط على
الأشياء بعد تكوينها ( ولا كان ضعيفاً ) أي موصوفاً بالعجز ( قبل تكوين شيء من
الأشياء ) ( 2 ) فهو القادر القويّ قبلها ، والمَلِك الجبّار بعدها ، من غير تغيّر وتبدّل من
صفة إلى صفة ، وانتقال من ضعف إلى شدّة .
وقوله : ( ولا كان مستوحشاً قبل أن يبتدع شيئاً ) إشارة إلى بهجته وسروره بذاته ،
والتذاذه بإدراكه نفسَه سبحانه ( ولا يُشبه شيئاً مذكوراً ) أي لا يشبه في وجوده
وحياته وما يتبع الحياة وتنزّهه وقوّتِه شيئاً مذكوراً ، أي مكوَّناً ومذكوراً بين
أهل الأرض .
هامش
1 . في " ل ، م " : " ولأنّه " .
2 . في الكافي المطبوع : " قبل أن يكوّن شيئاً " .