الأوهامُ ، ولا تَنْقُصُه الدُّهورُ ، ولا تُغَيِّرُهُ الأزمانُ " .
شرح
يعدّ به كالصورة لما تتعلّق به ، فيدخل فيها النفس والعقل وأكثر الأعراض ( 1 ) ( ولا
يحسّ ) أي ليس من شأنه أن يُدرك بحاسّة البصر ؛ فإنّ الإحساس في اللغة الإبصار ،
قال في الغَريبَيْن : " قوله تعالى : ( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ ) ( 2 ) أي عَلِمَه وهو في اللغة
أبصره ، ثمّ وُضع موضعَ العلم والوجود . ومنه قوله تعالى : ( هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَد ) ( 3 )
أي هل ترى . يقال : هل أحسست فلاناً أي هل رأيته ؟ " انتهى .
( ولا يجسّ ) ( 4 ) أي لا يمكن مسّه باليد ( ولا يدرك بالحواسّ الخمس ) أي
لا بذاته ولا بكيفيّة له ؛ فإنّه لا كيفيّة له فضلا عن أن يكون له كيفيّة محسوسة
بأحد من الحواسّ الظاهرة .
ثمّ نفى كونه مدركاً بالحسّ الباطني بقوله : ( لا تدركه الأوهام ) فإنّ الوهم يدرِك
كلَّ ما يدركه سائر الحواسّ الباطنيّة وهو يدرك ما لا يدركه سائر الحواسّ . فلمّا نفى
كونه مدركاً بالوهم ، لزم كونه غير مدرك بشيء من الحواسّ الباطنة .
ثمّ أراد تنزيهه عن النقص والتغيّر فقال : ( ولا تنقصه الدهور ( 5 ) ولا تغيّره الأزمان ) ( 6 ) .
هامش
1 . في حاشية " ت ، م " : قال أرسطو طاليس : إنّ أفاضل الفلاسفة ذكروا أنّ النفس في الجرم إنّما هي بمنزلة صورة
بها تكون الجسم متنفّساً ، كما أنّ الهيولى بالصورة تكون جسماً ، انتهى . وقال أيضاً : والعقل الذي هو السيّد
يوجد في النفس كثيراً ، والنفس متّصلة به ، إلاّ أن تتعدّى حدودها وتريد مفارقتها ، فإذا فارقته كان ذلك موتها
وفسادها ، فإذا اتّصلت به حتّى يصيرا كأنّهما شيء واحد حَيَّتْ بحياة دائمة ( منه دام ظلّه العالي ) .
2 . آل عمران ( 3 ) : 52 .
3 . مريم ( 19 ) : 98 .
4 . في " ل ، م " : + " كما في بعض النسخ " .
5 . في حاشية " خ " : الظاهر أنّ المراد بما هو واقع في الدهر النفوس المجرّدة عن المادّة في ذواتها المفتقرة إليها
في أفعالها . والمراد بما هو واقع في الزمان الحركة والسكون ، وما لا يخلو وجوده عن الحركة والسكون أي
الأجسام . فكلّ نفس وإن كانت ثابتة من حيث الذات لكنّها من حيث استكمالها بأفعالها لا محالة قد تخلو قبل
الفعل عمّا يقبله ويستحقّه بعد الفعل ، أو يتّصف قبل الفعل بما يتوقّع زواله بعد الفعل . فهذا أيضاً نوع من التغيّر
يجب تنزيه الربّ عنه . وأمّا التنزّه عن الحركة والسكون اللذين هما شأن الزمانيات فهو أبين من أن يحتاج إلى
البيان ( لراقمه خليل ) .
6 . في حاشية " ت " : نسبة الفلك مثلا إلى أوضاعها " دهرٌ " . ونسبة أحد الأوضاع إلى الآخر " زمان " . ونسبة
أحد العقول إلى الآخر " سرمد " ونسبة أحد العقول إلى معلولاته الحادثة أيضاً " دهرٌ " .