بخلاف الأشياء ، ارْجِعْ بقولي إلى إثبات معنىً وأنّه شيءٌ بحقيقة الشيئيّة ، غير أنّه
لا جسمٌ ولا صورةٌ ، ولا يُحَسُّ ولا يُجَسُّ ، ولا يُدرَكُ بالحواسّ الخمس ، لا تُدْرِكُهُ
شرح
وقوله : ( ارجع بقولي إلى إثبات معنى ) أي مقصود باللفظ ، ( وأنّه شيء ) أي
المبدأ موصوف بالشيئية ( بحقيقة الشيئية ) أي هو موصوف بحقيقة الشيئية ( 1 ) وإطلاق
الشيء عليه بهذا الاعتبار ، والشيء مساو للموجود إذا أُخذ الوجود أعمَّ من الذهني
والخارجي ، وأعمَّ من الموجود العينيّ . ( 2 )
والفرق بينهما أنّ المخلوط بالوجود هو الذي يصحّ انتزاع الوجود منه ، سواء كان
بتجريدها عن الوجود الخارجي أو بدونها ، فالمخلوط بالوجود مطلقاً من حيث
الخلط شيء ، وشيئيته كونه مهيّةً قابلة له صحيح الخلط به ، والوجود هو المعنى
البديهي المنتزع من الماهيّة المخلوطة به . فهنا مخلوط ، وخلط ، ومخلوط به ،
فالمخلوط كالقابل ، والمخلوط به كالصفة ، والخلط كالاتّصاف ، وهو بما هو قابل
ومنتزع منه شيءٌ ، وبخلطه بالوجود موجودٌ . والشاهد على تغايرهما - كما ذكرناه -
صحّة قولك : " شيء موجود " دون " موجودٌ شيء " ولشدّة الاتّصال بين المعنيين وصعوبة
التميز بينهما قال بعضٌ بالعينيّة ، وقوم بالمساوقة ، وحقيقة الأمر ما أشرنا إليه .
والحاصل أنّه حقيقة من الحقائق ينتزع منه الوجود ، لكن لا يصحّ تجريد حقيقته
وتخليته في مرتبة من المراتب عن الوجود كما في الممكنات . وأشار إلى ذلك
بقوله : ( غير أنّه لا جسم ولا صورة ) أي ليس مهيّةً من المهيّات المدركة لعقولنا ( 3 )
التي ( 4 ) [ هي ] قابلة للتجريد عن الوجود الخارجي كالجسم [ و ] المادّة للصوّر والصور ( 5 )
الحالّة فيها ، ويندرج فيها كلّ الأُمور المتعلّقة بالمادّة وبالمتعلّق بها نحواً من التعلّق
هامش
1 . في حاشية " ت " : أي ذاته محقّق الشيئية ومناطها ، بخلاف الممكنات ، فإنّ الشيئية الزائدة على ذاتها تكون
محقّقة الشيئية ومناطها ، وإطلاق الموصوف والصفة والاتّصاف وانتسابها إلى المبدأ على سبيل التجوّز .
2 . في حاشية " ت " : تخصيص الموجود العيني بالذكر للإشارة إلى بطلان ما ذهب إليه جماعة من إنكار الوجود
الذهني ، وإلاّ فيفهم من قوله : " والشيء مساو للموجود إذا أخذ " أعمّيته من كلّ الموجود الذهني والعيني ؛ فافهم .
3 . في " خ ، ل " : " بعقولنا " .
4 . في " ل " : - " التي " .
5 . في " خ ، ل " : " للصورة والصورة " .