تَختلِطُ بالذهبةِ المائعة ، فهي على حالها لم يَخرُجْ منها خارجٌ مُصلِحٌ فَيُخْبِرَ عن صلاحها ،
ولا دَخَلَ فيها مُفسِدٌ فَيُخْبِرَ عن فسادها ، لا يُدْرَى للذَّكَر خُلِقَت ، أم للأُنثى ، تَنْفَلِقُ عن مثل
ألوان الطواويسِ ، أترى لها مُدَبِّراً ؟ " قال : فأطرَقَ مَلِيّاً ، ثمَّ قال : أشهد أن لا إله إلاّ الله
شرح
لا يشكّ معها في استنادها إلى مبدأ عالم قادر حكيم خبير بما فيها لا بآلة ، قاهر لما
يشاء على ما يشاء .
وإنّما أخذ ( عليه السلام ) يستدلّ من المحسوسات - التي لا يَشكّ فيها ذو حاسّة - على المبدأ
الأوّل في الكلام مع الزنادقة ، ولم يستعمل المقدّمات الكلّيّة البرهانيّة من غير
التفات إلى المحسوسات ؛ لأنّهم ما كانوا يقبلون ما لا يدركونه بحاسّتهم ، أو لا يكون
من المتقرّرات في أذهانهم ، كما في رواية عليّ بن منصور ، عن هشام بن الحكم ، أنّه
دخل أبو شاكر الديصاني على أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، ثمّ قال : ما الدليل على حدوث العالم ؟
فقال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : " يُستدلّ ( 1 ) عليه بأقرب الأشياء " قال : وما هو ؟ قال : فدعا أبو عبد
الله ( عليه السلام ) ببيضة ( 2 ) فوضعها على راحته ، فقال : " هذا حصن ملموم داخله غِرْقِئٌ رقيق
نظيف ( 3 ) ، به فضّة سائلة ، وذهبة مائعة ، ثمّ تنفلق عن مثل الطاووس أدخلها شيء ؟ "
قال : لا ، قال : " فهذا الدليل على حدوث العالَم " قال : أخبرتَ فأوجزتَ ، وقلتَ
فأحسنتَ ، وقد علمتُ أنّا لا نقبل إلاّ ما أدركناه بأبصارنا ، أو سمعناه بآذاننا ، أو
شممناه بمناخرنا ، أو أذقناه بأفواهنا ، أو لمسناه بأكفّنا ، أو تصوّر في القلوب بياناً ، أو
استنبطه الروايات ( 4 ) إيقاناً . قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : " ذكرت الحواسّ الخمس وهي لا تنفع
شيئاً بغير دليل ، كما لا يُقطع الظلمة بغير مصباح " . ( 5 )
هامش
1 . في التوحيد للصدوق : " نستدلّ " .
2 . في " ل " : " بيضة " .
3 . في التوحيد وروضة الواعظين : " لطيف " .
4 . في التوحيد : " الرويّات " .
5 . التوحيد ، ص 293 ، باب إثبات حدوث العالم ، ح 1 ؛ الإرشاد ، ج 2 ، ص 201 ؛ إعلام الورى ، ص 290 ، الفصل
الرابع في ذكر طرف من مناقبه ، روضة الواعظين ، ج 1 ، ص 22 ، باب الكلام في فساد التقليد . وفي حاشية " ت ،
ل ، م " : رواه الصدوق ابن بابويه في كتاب التوحيد بإسناده ( منه دام ظلّه العالي ) .