قال أبو الحسن ( عليه السلام ) : " وإن كانَ القولُ قولَنا ، وهو قولُنا ، ألَستُم قد هَلَكْتُمْ ونَجَوْنا ؟ " .
فقال : رَحِمَكَ اللهُ ، أوجِدْني كيف هو ؟ وأين هو ؟ فقال : " ويلك ، إنّ الذي ذَهَبْتَ إليه
غلطٌ ، هو أيَّنَ الأينَ بلا أين ، وكَيَّفَ الكيفَ بلا كيف ، فلا يُعْرَفُ بالكيفوفيّةِ ولا بأينونية ،
شرح
قوله : ( أوجدْني كيف هو ؟ وأين هو ؟ ) أي أفِدني كيفيّته ومكانه ، وأظفرني
بمطلبي الذي هو العلم بالكيفيّة والأين فيه . وغرضه ذلك التوسّلُ بسؤاله إلى النفي
الذي هو مطلوبه ؛ لأنّه إن نفى عنه الكيف والأين - كما هو معتقد أهل الحقّ - يكون
في ظنّه دليلَ العدم ، أو عدمِ ربوبيّته . ( 1 ) ولو قيل بثبوت الكيفيّة والأين يتمسّك بنفي
احتياجه في استغناء الأجسام عن المبدأ ، كما توهّمه .
ولذا لمّا نفى ( عليه السلام ) عنه الكيف والأين بقوله : ( هو أيّن الأين . . . ) أي أوجد حقيقة
الأين وأوجد حقيقة الكيف ، فكان متقدّماً على وجود الأين والكيف ( فلا يعرف
بالكيفوفيّة ولا بأينونيّة ) أي بالاتّصاف بالكيف والأين ، وبكونه ذا كيفيّة وذا أين .
وذلك لأنّه هو مبدأ قبل وجود الكيف والأين ، فلا يعرف المبدأ بكونه ذا كيفيّة
أو أين . ( 2 )
ولأنّ الخالق الموجِد لشيء متعال عن الاتّصاف به ؛ لأنّ الاتّصاف خروج من
القابليّة إلى الفعليّة ، والقابلُ خال عن الوصف قبل الاتّصاف ، عادمٌ له ، والعادم لشيء
وللأكمل والأتمّ منه لا يكون معطياً له ، فالفاعل الخالق لا يكون معطياً نفسَه ما
يستكمل به .
ولأنّ المبدأ الأوّل لمّا لم يجز عليه الخلوّ من الوجود فلو كان فيه قابليّة الصفة ،
لكان له جهتان ( 3 ) ، ولا يجوز استنادهما فيه إلى ثالث ؛ إذ لا ثالث في تلك المرتبة ،
هامش
1 . في حاشية " ت " : أي وإن لم يكن في ظنّه دليل العدم ، لكن يكون دليل عدم ربوبيته ؛ لأنّه حينئذ يكون موجوداً
ضعيفاً كما كان في بعض الأعراض كالإضافة .
2 . في حاشية " ت ، م " : البيان الأوّل لأدنى النفوس وأقربها من الطبائع المادّيّة ، والثاني للمتوسّط ، والثالث
لأعلاها وأرفعها عن الطبائع المقارنة وأحراها بمعرفة خواصّ الوجود الواجب لذاته ( منه دام ظلّه العالي ) .
3 . أي فعليّة الوجود وقابليّته .