واكْتَنَزَ من غير طائل جَلَسَ بين الناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره ، وإن
خالَفَ قاضياً سَبَقَه ، لم يأمَنْ أن يَنقُضَ حكمَه مَن يأتي بعدَه كفِعْلِهِ بمَن كانَ قبلَه ، وإن
نزلَتْ به إحدى المبهمات المعضلات هَيَّأَ لها حشواً من رأيه ، ثمّ قطع به ، فهو من لَبْس
شرح
أي مَن جَمَع الجهلَ والاشتغال بالفتنة .
وقوله : ( بَكَّرَ ) أي بادَرَ كلَّ يوم إلى جمع الجهالات والاهتمام بظُلَم الفتن
( فاستكثر ) ( 1 ) وحصّل كثيراً منها .
وقوله : ( ما قلّ منه خير ممّا كثر ) أي ما قلّ صدوره منه ولم يهتمّ به خيرٌ ممّا
كثر واهتمّ به .
وهاتان الجملتان تدلاّن على عدم السلامة له أصلا .
وقوله : ( حتّى إذا ارتوى من آجن ) .
" الارتواء " : الشرب من الماء بقدر الحاجة . و " الآجن " : الماء المتغيّر الطعمِ
واللونِ . شبَّه الجهالاتِ بالماء الآجن ، وجَمْعَه بقدر يكفيه باعتقاده بالارتواء .
وقوله : ( واكتنز ) أي امتلأ ( من غير طائل ) أي من غير نافع ، أي ممّا لا نفع فيه .
وقوله : ( جلس بين الناس قاضياً ) . أي حاكماً بينهم .
وقوله : ( ضامناً لتخليص ما التبس على غيره ) أي أخْذِ الخلاصة من مواقع ( 2 )
الاشتباه . والمراد بالخلاصة الحقّ غير المخلوط بالشبهة والشكّ ، وهذه في الفتاوى ،
كما أنّ الأُولى في القضايا والأحكام .
وقوله : ( وإن خالف قاضياً سبقه لم يأمن أن ينقض حكمه مَن يأتي بعده كفعله
بمن كان قبله ) ناظرٌ إلى قوله : " جلس بين الناس قاضياً " .
وقوله : ( وإن نزلت به إحدى المبهمات المعضلات هَيّأ لها حشواً من رأيه ثمّ
قطع ) ناظرٌ إلى قوله : " ضامناً لتخليص ما التبس على غيره " .
هامش
1 . في " م " : " واستكثر " .
2 . في " ل " : " مواضع " .