مُستَغِشٌّ للكتاب ، فالعلماءُ يَحْزُنُهُم تركُ الرعاية ، والجهّالُ يَحْزُنُهم حفظُ الرواية ، فَراع
يَرْعى حياتَه ، وراع يرعى هَلَكَتَه ، فَعِند ذلك اختَلَفَ الراعيانِ ، وتَغايَرَ الفريقانِ " .
شرح
ويتنبّه لمقصوده ، ويعمل بمطلوبه ، أو المراد برُواته رواةُ الفرض ، أو الحكم ونَقَلَته ،
وبرُعاته الآخذون له من مأخذه ، العاملون على وجهه .
وقوله : ( وكم من مستنصح للحديث ) أي مستخلص للنقل عن الغشّ ( مستغشّ
للكتاب ) بأحد الوجهين المذكورين . وفيه إشارة إلى أنّ استنصاح الحديث لا يستلزم
رعاية الكتاب ، بل يندر المقاربة . ( 1 )
وقوله : ( فالعلماء يحزنهم ترك الرعاية ، والجهّال يحزنهم حفظ الرواية ) .
يقال : أحزنه ، وحزنه كنصره : إذا جعله محزوناً . والمعنى أنّ العلماء العاملين
بعلمهم يحزنهم ترك الرعاية والتفكّرِ في الكتاب والتنبّهِ لمقصوده والعملِ بمطلوبه ،
وفواتُها عاجلا عنهم ؛ ( 2 ) حيث يعلمون ما في الترك من سوء العاقبة ، وآجلا عند ظهور
الآيات والعلامات ، فيحزنهم ما يترك من مقصودهم الذي هو الرعاية ، والجهّالَ -
الّذين لا يريدون العلم للعمل ، ولا يتفكّرون في المطالب ، ولا يختارون حسن
العواقب - يحزنهم حفظ الرواية ، ويصير حفظها من أسباب حزنهم ؛ لاشتداد الأمر
عليهم بسبب العلم والاطّلاع على الكتاب ونقله والقول به وترك التدبّر فيه والعمل
به ، فيحزنون بحفظها آجلا عند ظهور الآيات ، ويحزنهم مطلوبُهم من الرواية وحفظها .
والحاصل : أنّ مطلوب العلماء ممّا تركه يوجب حزنهم ، ويؤدّي إليه ، ومطلوبَ
الجهّال ممّا فعلُه والاهتمامُ به يوجب حزنهم ويؤدّي إليه . أو المراد بالحفظ الرعايةُ
وبالرواية المرويُّ ، أي يحزنهم رعاية ما يروونه ، كما أنّ العلماء يحزنهم ترك الرعاية .
وقوله : ( فراع يرعى حياته ، وراع يرعى هلكته ) أي فراع - وهو العالم - يرعى
ويحفظ ما فيه حياتُه ونجاتُه وحسنُ عاقبته ، وهو التدبّر والتفكّر في الكتاب ،
والعملُ بما فيه ، وراع - وهو الجاهل - يرعى ويحفظ ما فيه هلاكه وسوء عاقبته ، وهو
رواية الكتاب بلا تدبّر فيه وعمل بما فيه .
هامش
1 . في " ل " : " المقارنة " .
2 . في " خ ، ل " : " عنهم عاجلا " .