ما حقّقه المتكلّمون من أحكام الجواهر والأعراض ، وما اشتملت عليه كتبه من
الحكمة والمقدّمات والاعتراضات وأجوبة الشبهات ، وإن وجب معرفته كفايةً من
جهة أُخرى . ومن ثمّ صرّح جماعة من المحقّقين بأنّ الكلام ليس شرطاً في التفقّه ،
فإنّ ما يتوقّف عليه منه مشترك بين سائر المكلّفين .
ومن الأُصول : ما يعرف به أدلّة الأحكام من الأمر والنهي والعموم والخصوص
والإطلاق والتقييد والإجمال والبيان وغيرها ممّا اشتملت عليه مقاصده .
ومن النحو والتصريف : ما يختلف المعنى باختلافه ليحصل بسببه معرفة المراد
من الخطاب . ولا يعتبر الاستقصاء فيه على الوجه التامّ بل يكفي الوسط منه فما دون .
ومن اللغة : ما يحصل به فهم كلام الله تعالى ورسوله ونوّابه ( عليهم السلام ) بالحفظ أو
الرجوع إلى أصل مصحّح يشتمل على معاني الألفاظ المتداولة في ذلك .
شرح
أن يدفع تلك الشبهة إجمالاً ، بأن يقول : تلك مصادمة لليقين ، وكلّ ما هو كذلك فهو باطل ، كما
أجاب به بعض فحول العلماء عن شبهة المجهول المطلق بأنّها مصادمة لمقدمة بديهيّة وكلّ ما
هو كذلك فهو باطل .
أقول : ما أفاده غريب ! لأنّ الخصم لا يسلّم اليقين الّذي يدّعيه إلاّ بعد إثباته بالبرهان القطعيّ ،
وهو موقوف على معرفة شرائطه وتمكّنه من الإتيان بها ، وذلك لا يحصل إلاّ بما فصّله الشهيد
الثاني - قدّس الله روحه - وما ماثل به من جواب بعض فحول العلماء لا يوافق جوابه ، لأنّه
يدّعي فيه أنّه مبنيّ على مقدّمة بديهيّة والبديهيّ يظهر لكلّ أحد ولا مساغ لإنكاره . وأمّا اليقين
إذا حصل لأحد في مسألة لا يلزم حصوله كذلك لغيره ، فلابدّ له من دليل على حصول اليقين
بتلك المسألة ، على أنّ حجج الخصم ليست محصورة حتّى يمكن الجواب عنها بكلام الأئمّة ( عليهم السلام )
أو من دليل العقل .
وقوله : " هذا ناظر إلى ما في كتب العامّة " لا ندري ما عنى به من وجه الذمّ ؟ لأنّه ليس يلزم
علينا أنّ كلّ ما اعتبره المخالفون من أُصول وفروع لا يكون معتبراً عندنا ، لأنّ العلوم مشتركة ،
وما فيه الخلاف بيّن ظاهر لا موافقة لنا فيه ، فأيّ محذور في مشاركتهم في المسائل الّتي لا خلاف
بيننا وبينهم فيها ، حتّى أنّ المصنّف في عدّة مواضع يعيب العلماء المتقدّمين باتّباع طريق العامّة
ويهضم قدرهم بذلك من غير موجب .