تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوائد المدنية والشواهد المكية — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
ضروريات المذهب ولم تكن لله دلالة قطعيّة عليها . ونحن قد أثبتنا أنّ لله عزّ وجلّ في كلّ واقعة تحتاج إليها الأُمّة إلى يوم القيامة حكماً معيّناً ودليلا قطعياً عليه ، وأنّ كلّ الأحكام والدلالات القطعية عليها - أي النصوص الصريحة فيها - محفوظ عند معادن وحي الله تعالى وخزّان علمه والناس مأمورون بطلبها من عندهم ( عليهم السلام ) * .
شرح
* سلّمنا أنّ مسائل الشريعة كلّها معلومة للأئمّة ومخزونة عندهم ( عليهم السلام ) لكن لو أمكن وصولها إلينا بالفعل على وجه يوجب القطع بصحّتها عنهم ( عليهم السلام ) لما عدلنا عن ذلك إلى غيره بوجه من الوجوه . والمدعى لحصوله في هذا الزمان بل وغيره ممّا تقدّم مجازف في دعواه حدّ المجازفة ، والوجدان يكفي في فساد دعواه ، وكيف يصحّ ذلك مع ما وقع من الاختلاف في زمانهم ( عليهم السلام ) وبعده في المذاهب والروايات والفتاوى بين العلماء والفضلاء الأجلاّء ؟ فلو كان يتيسّر لهم ذلك لم يحصل بينهم اختلاف ، لأنّ الحقّ واحد وكلامهم ( عليهم السلام ) لا يختلف فيه . وحملهم على التقصير في التوصّل إلى علم الحقّ فيه مع إمكانه ووجود ما يدلّ عليه قطعاً - كما يدّعيه المصنّف في هذا الزمان فضلا عن ذلك الزمان القريب الّذي يمكن تخيّل العقل حصول ذلك فيه - يقتضي نسبتهم إلى خلاف المشروع إن تعمّدوا ذلك أو إلى الجهل والغفلة وضعف العلم ، وكلا الأمرين لا يتصوّره عاقل ، خصوصاً بعد أن نبّه رئيس الطائفة وغيره على أنّ سبب الاختلاف عدم التمكّن من العلم والتعويل على أخبار الآحاد الّتي لا يحصل بها العلم ( 1 ) . وإذ قد علمنا أنّ لله تعالى في كلّ مسألة دليلا قطعيّاً . فإمّا أن يجوز خفاء بعضه عن المكلّفين وهو خلاف المدّعى ، وإمّا أن يجب ظهوره للناس ليعملوا به - وعلى هذا كانت الحكمة تقتضي مساواة غير الشيعة لهم في ذلك ، ولا يجوز خفاؤه عن مكلّف ، لأنّ الحقّ سبحانه لم يرسل رسوله إلاّ لهداية الإنس والجنّ وتبليغهم ما أنزل الله عليه ، ولا يجوز له إخفاء حكم من أحكام الله تعالى ، ولوجب ظهوره وعدم الاختلاف في الواقع ؛ ذلك لأنّ ظهور دليل الحقّ لكلّ مكلّف لا يقبل النزاع فيه ، لأنّه قطعيّ - وهو خلاف الواقع ، لأنّه لولا اشتباه الحال في الحديث والقرآن لما حصل الاختلاف ، ولم يمكن فيه إلزام الخصم لخصمه بالدليل القاطع الّذي حكم المصنّف بتيسّر العلم به وتحصيله في كلّ وقت . ولا نشكّ أنّ لله تعالى في كلّ أمر حكماً محقّقاً ، لكنّ الكلام في ظهوره وتيسّر علمه في جميع الأزمان ، ولو كانت الحكمة تقتضي ذلك لما تخلّف .
هامش
( 1 ) انظر عدّة الأُصول 1 : 100 .