وفي كتاب المحاسن - في باب إنزال الله في القرآن تبياناً لكلّ شيء - عنه ، عن
الحسن بن عليّ بن فضّال ، عن ثعلبة بن ميمون ، عمّن حدّثه ، عن المعلّى بن خنيس
قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ما من أمر يختلف فيه اثنان إلاّ وله أصل في كتاب الله ولكن
لا تبلغه عقول الرجال ( 1 ) .
أقول : من المعلوم عند أُولي الألباب أنّ هذه الأحاديث الشريفة ناطقة بأنّ كلّ
واقعة تحتاج إليها الأُمّة إلى يوم القيامة ورد فيها خطاب قطعي عن الله تعالى ، فلم
يبق شيء على مجرّد إباحته الأصليّة ، فالتمسّك بالبراءة الأصلية لا يجوز في نفي
أحكام الله تعالى .
ثمّ أقول : صرّحوا ( عليهم السلام ) بوجوب التوقّف فيما لم يقطع بحكم الله فيه ولا بحكم
ورد عنهم ( عليهم السلام ) فلو جاز التمسّك في نفي أحكام الله تعالى بالبراءة الأصليّة لما أوجبوا
التوقّف * ، والحديث النبوي المتواتر بين الفريقين المتضمّن لحصر الأُمور في ثلاثة
شرح
* إنّا قد بيّنّا أنّه لا نزاع أنّ الشريعة في نفسها وافية بكلّ الأحكام الّتي يحتاج إليها العباد ،
لكن دعوى حصول العلم القطعيّ منها في كلّ مسألة خلاف الوجدان . أمّا الكتاب : فإنّ فيه
المحكم والمتشابه ، وقال سبحانه : ( وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم ) وقوله ( عليه السلام ) :
" ولكن لا تبلغه عقول الرجال " ( 2 ) واتّفاق الأُصوليّين على أنّ متنه قطعيّ ودلالته ظنّية . وأمّا
الحديث : فكذلك وقد بيّنّاه سابقاً .
ولو كانت الأحكام كلّها ظاهرة مقطوعاً بها لكلّ أحد يطلبها من الكتاب والسنّة لم يحصل
اختلاف . وكونها معلومة للأئمّة ( عليهم السلام ) لا ينفعنا إذا لم يصل علمها إلينا ولا أمكن استعلامه بالقطع .
والتوقّف المأمور به إن صحّ إنّما يكون عند تعارض الأدلّة واشتباه المرجّح أو جهالة المعنى
المقصود من اللفظ في الحديث .
والبراءة الأصليّة من جملة أدلّة الشرع - كما بيّنّاه سابقاً - ولا يعمل بها إلاّ عند انتفاء غيرها
من الأدلّة بكلّ وجه ، فليست منافية للتوقّف في محلّه ، وهي من جملة الأدلّة شرعاً على الإباحة
غير الدليل العقلي الّذي استدلّوا به على الإباحة الأصليّة ، فالدليل الشرعيّ كاشف عنه ، كما أشرنا
هامش
( 1 ) المحاسن 1 : 417 ، ح 361 .
( 2 ) البحار 89 : 100 ، ح 71 .