لم تكن جامعة للصفتين : من المطابقة للواقع ( 1 ) والجزم بها فهي غير مرضية ، ومن
المعلوم أنّ الفتوى المخالفة لما أنزل الله إذا وردت من باب التقية لا تجري فيها *
خلاصة ما يستفاد من تلك الأحاديث .
وفي كتاب المحاسن للبرقي بسنده عن زرارة ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : لو أنّ
العباد إذا جهلوا وقفوا لم يجحدوا ولم يكفروا ( 2 ) .
شرح
* لو صحّ أنّ مقتضاها ذلك لانسدّ باب علم أحكام التكليف بعد غيبة الإمام ( عليه السلام ) لأنّه لا
يتيسّر ذلك إلاّ لمن شافه الأئمّة ( عليهم السلام ) بالسؤال والجواب وانتفى عنه كلّ احتمال يوجب الخطاء في
فهم المعنى من كلامه ( عليه السلام ) لأنّ مجرّد الاحتمال العقليّ والعاديّ يؤثّر في عدم القطع والجزم بأنّه
في الواقع كذلك . ومن أنصف من نفسه في مثل هذا الزمان يرى أنّ أحداً من الناس من أهل
الفتوى أو من غيرهم إذا راجع وجدانه في الأحاديث الغير المعلوم مضمونها بالضرورة من الدين
[ لا ] ( 3 ) يحصل له اليقين والجزم والقطع بأنّ ما تضمّنه الحديث مطابق للشريعة في نفس الأمر
والواقع مع امتداد الزمان وتعدّد نقل الحديث وكثرة الرواة واحتمال الغلط والسهو والخلل في نقل
الحديث بالمعنى حيث جوّزوه ، هذا مع كون سند الحديث موصوفاً بالصحّة على الاصطلاح ،
فكيف إذا لم يكن كذلك وقد علمنا الاختلاف في الحديث واحتمال الكذب من زمان الأئمّة ( عليهم السلام )
وتعمّد بعض الثقات الأجلاّء الرواية عن الضعفاء ، فيلزم على ما ادّعاه المصنّف انسداد باب العمل
بالأحكام الشرعيّة في غير المعلوم بالضرورة والاتّفاق الّذي لا يتطرّق إليه احتمال بوجه من
الوجوه . وهذا لا يتصوّره عاقل ، وما ندري تصوّر المصنّف في وقته كيفيّة العمل بالأحكام الشرعيّة
إذا بطل الاجتهاد والتقليد على مدّعاه ؟ فإنّ العامّي الّذي لا يمكنه فهم الحديث ولا يعرف صحّته
من ضعفه ولا يحسن قراءته ليفهم معناه كيف يفعل إن سأل غيره وكان المسؤول واحداً لا يحصل
له بقوله غير الظنّ ، لأنّ القرائن في هذه الحالة لا مجال لدعواها على العلم بكون كلام المسؤول
مطابقاً للمشروع والواقع في نفس الأمر وان تعدّد سؤاله بجماعة عديدة حتّى يحصل له العلم
بذلك فربّما لا يتيسّر له ، فانسدّ عليه أحكام ما كلّف به .
وأيضاً المسؤول للعامّي الّذي يجوز له سؤاله لم يفهم أيضاً من المصنّف ما يشترط فيه من
قدر العلم والمعرفة .
هامش
( 1 ) ط : الورود من صاحب الشريعة في الواقع .
( 2 ) المحاسن 1 : 340 ، ح 102 .
( 3 ) أضفناه لضرورة السياق .