من الله تعالى والآثار المنتشرة عن أئمّة الهدى - صلوات الله عليهم - . وكيف لا ! وقد قال
الله تعالى : ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره ولو كره الكافرون ) ( 1 ) * .
شرح
* العجب كلّ العجب ! من الدعاوي الّتي يدّعيها المصنّف على القدماء من علمهم وعملهم
بجميع الأحاديث الصحيحة المقطوع بصحّتها وأنّها كانت عندهم معلومة مميّزة ، والحال أنّه قد
سأل الصادق ( عليه السلام ) بعضُ أصحابه عمّا يجد من كثرة اختلاف الحديث عنهم وبأيّها يأخذ ؟ ( 2 ) وقد
أرشدوا ( عليهم السلام ) شيعتهم إلى عرضها على كتاب الله عند ذلك أو الأخذ بما يخالف العامّة ( 3 ) . فعلم أن
الاختلاف والاشتباه حاصل من ذلك الوقت . والّذي يعتمد الرواية عن الضعفاء نبّهوا عليه ، ونبّهوا
على ثقة الرواة وضعيفها ، كلّ ذلك فيمن تقدّم من القدماء الّذين كانوا بعد زمن الأئمّة ( عليهم السلام )
والّذي في زمن الأئمّة ( عليهم السلام ) كان يستغني في صحّة الخبر بالسؤال ولو بالواسطة المعتمدة
عنهم ( عليهم السلام ) . ومَن بعدهم بقريب كان يعرف الصحيح من الضعيف ممّا نبّه عليه أصحابهم وكان
الاشتباه قليلاً ، فلم يحتاجوا إلى التقسيم وتدوينه . ولكن حال الأحاديث عندهم ما كانت تخرج
عن الأقسام الأربعة ، ولو كانت الأحاديث في ذلك الوقت وبعده إلى زمن الكليني - الّذي كان في
زمن بعض السفراء - كلّها صحيحة ثابتة عن الأئمّة ( عليهم السلام ) ومعمولاً بها بطريق القطع ما حصل فيها
في ذلك الوقت هذا الاختلاف والتضادّ الفاحش الموجب لسوء العقيدة حتّى لزم على الكليني
وغيره ( رحمهم الله ) بسبب ذلك جمع الّذي حسن الظنّ به عندهم وإن كان غير مقطوع بصحّته خوفاً من
ضياع الحديث وتفرّقه ، وقد ساء الظنّ به لشدّة اختلافه ، والحال أنّه متأصّل عن أئمّة لا تقبل
حكمهم الاختلاف والتضادّ .
وأمّا ابن الجنيد وأمثاله فلم يكونوا من الجهل إلى غاية يمكنهم العلم بالدليل ويتركونه
ويعدلون إلى اتّباع المخالفين في أُصولهم وقواعدهم والعدول عن العلم إلى الظنّ ، ويتبعهم في هذا
الجهل والغفلة مثل المفيد والمرتضى ومن تأخّر عنهم اتّباعاً لا يجوز في الأحكام وأُصول الدين
عقلاً ولا شرعاً ، وأيّ عاقل يقول أو يتخيّل : أنّ حسن الظنّ مُحِلّ لذلك ومجوّز له حتّى ينسب
غير الجائز والجهل إلى مثل هؤلاء الأجلاّء الّذين لا نسبة له إلى أقلّ تلامذتهم ، وهل يُقدم أحد
عاقل على مثل هذا الإقدام والجرأة على أنّ حال رواة الحديث بعد زمن الأئمّة بل وقبل ذلك
أيضاً حصول الاضطراب والاختلاف فيه ، لم يقع عند العامّة مثله ؟ ولهذا عابوا على الشيعة ذلك .
هامش
( 1 ) الصفّ : 8 .
( 2 ) راجع الكافي 1 : 62 باب اختلاف الحديث .
( 3 ) الكافي 1 : 67 .