رئيس الطائفة والسيّد المرتضى والمحقّق الحلّي وابن إدريس وغيرهم صريح في
خلاف ما ذكراه ، بل هما اعترفا بعدم الضياع وعدم الاختلاط في زمن الأئمّة الثلاثة
المؤلّفين للكتب الأربعة وغيرها . ومن المعلوم أنّ هذا القدر يكفينا .
وأيضاً العادة قاضية بأنّه لو وقع لاشتهر . وأيضاً الحكمة الربّانية وشفقة العترة
الطاهرة ( عليهم السلام ) بالشيعة وأخبارهم بأنّ عملهم في زمن الغيبة الكبرى يكون بأحاديثنا
المسطورة في كتبهم تكذّب كلام الفاضلين * .
وقد صرّح الفاضل الشيخ حسن في كتاب المنتقى بأنّ أكثر أنواع الحديث
شرح
* كلام المصنّف يقتضي : أنّ في زمن من ذكره كانت الأُصول موجودة غير مختلطة
والصحيح منها متميّزاً عن غيره ، فيلزم على ذلك أنّ كلّ الأحاديث الّتي خالفها المرتضى وابن
إدريس والشيخ وغيرهم في فتاويهم كانوا قاطعين بضعفها لتميّزها عن الصحيح المقطوع به ، وإلاّ
لما جاز لهم تركها والإعراض عنها ، وذلك يخالف دعواه من القطع بصحّتها وعدم اختلاط أُصولها
الموجب للاعتماد عليها كلّها .
وما ذكره أخيراً من الحكمة الربّانيّة فهلاّ كان ذلك موجباً لعدم وجود الخلاف والتضادّ بين
الأحاديث المستندة إلى الأئمّة ( عليهم السلام ) حتّى حصل به العيب على الشيعة والاستدلال به على فساد
مذهبهم ورجوع من رجع عن المذهب بهذا الخلل الّذي وقع ، ولم يشعر المصنّف أنّ الابتلاء في
دار الدنيا أقرب ما يكون إلى أولياء أهل البيت ( عليهم السلام ) وكلام أمير المؤمنين - صلوات الله عليه -
ناطق بذلك في الدرر والغرر ( 1 ) وغيره من الأئمّة كذلك في مواضع عديدة . على أنّ وجود الضعف
في بعض ما ينسب إليهم لا يخلّ بشرائع مذهبهم ولا العمل بأحاديثهم ، فإنّ الموجود في صحيحه
ما فيه كفاية ، وبعد ثبوت الاجتهاد المتّفق عليه بين الخاصّ والعامّ ، بل نقل أيضاً عن الأُمم السالفة
مع رجوعه إلى أقوالهم وأفعالهم ، ودلّت الأدلّة العقليّة والنقليّة على صحّته وأنّ القدرة المشترطة
فيه لا يكون إلاّ بعناية إلهيّة ، فكيف يجوز بعد هذا تكذيب الفاضلين ونسبتهم إلى تعمّد الكذب ؟
هل قبيح أشنع منه ! وكان له أن يرد كلامهما إذا لم يرتضه بما هو أخفّ من ذلك ممّا لا مؤاخذة
عليه فيه . ولا موجب لذلك إلاّ زيادة الغرور وعدم التقيّد بتدبّر العواقب .
هامش
( 1 ) الغرر والدرر 2 : 708 ، ح 1385 و 1386 .