ولأنّا نجيب عن الثاني بأنّ عدم وجدانه لا يدلّ على عدم وجوده في الأُصول
المعتمدة .
شرح
دين الحقّ في كلّ زمان ، فهل تدليس وإغراء أعظم من ذلك ؟ ولو أمكن ذلك لعلّة من العلل على
خلاف ما يقتضيه العقل فلا يكون إلاّ نادراً ، والحال أنّ أكثر الاختلاف لا يحملونه إلاّ على التقيّة
وكان ردّه بالضعف أولى . ومع ظهور الصحّة المصطلحة إن كان هناك ترجيح رجع إليه ، وإلاّ
يجري فيه ما نقلوه عن الأئمّة ( عليهم السلام ) عند ذلك .
وأمّا الثاني ( 1 ) : فضعف الاحتمالين في جوابه ظاهر ، وما ذكره من التنزّل فهو جار على
عادته من نسبة الغفلة والذهول لغيره وتنزيه نفسه عن ذلك . والّذي يظهر أنّ أسباب الغفلة
والذهول عن حقائق الأُمور أقرب إليه ( رحمه الله ) من غيره ، وأثر ذلك ظاهر لا يحتاج بياناً . وقد أشرنا
سابقاً إلى أنّه لا مجال لإنكار وجود الضعيف في الكتب المشهورة ، لشدّة الاختلاف بينها ( 2 ) على
وجه يحيل العقل أنّها كلّها صحيحة يحصل القطع بأنّها ثابتة عن الأئمّة ( عليهم السلام ) لأنّهم صرّحوا بأنّه
لا يجوز الاختلاف في المتواتر ، وعلّة ذلك أنّه مفيد للعلم ، فما الفرق إذا حكمنا بأن الكتب
الأربعة كذلك ؟
وممّا يؤكّد ذلك مخالفة بعضهم في فتواهم لما أورده من الحديث ، وهو من الشيخ ( رحمه الله ) كثير ،
ففي بعضها يردّه بضعف روايته بأنّه فاسد المذهب لا يعوَّل على روايته ، وبعضها أنّ ما تضمّنه
مخالف للإجماع وغير ذلك .
ومن جملة ما يؤكّد الضعف في بعض الأحاديث أن محمّد بن سنان قد تكثّرت روايته في
أغلب الأحكام ، وغيره من أمثاله أيضاً كثير ، وقال الفضل بن شاذان في بعض كتبه : إنّ من
الكذّابين المشهورين بالكذب ابن سنان وليس بعبد الله ، ودفع أيّوب بن نوح إلى حمدويه دفتراً من
أحاديث محمّد بن سنان فقال : إن شئتم أن تكتبوا ذلك فافعلوا ، فإنّي كتبت عن محمّد بن سنان ،
ولكن لا أروي لكم عنه شيئاً فإنّه قال قبل موته : كلّ ما حدّثتكم به لم يكن لي سماعاً ولا روايةً
وإنّما وجدته ( 3 ) . ونقل عنه أيضاً أشياء رديئة ( 4 ) . وقد ذكر الأصحاب جملة ممّن كان يروي عن
الضعفاء وإن كان هو ثقة في نفسه .
هامش
( 1 ) يعني جواب المصنّف .
( 2 ) في الأصل : بينهما .
( 3 ) الكشّي : 506 ، ح 977 ، و 507 ، 979 .
( 4 ) في الأصل : رويه ، والظاهر ما أثبتناه .