وكذلك المحقّق الحلّي ( قدس سره ) تكلّم باصطلاح القدماء في العبارة الّتي تقدّم نقلها عن
كتاب المعتبر ، حيث اختار في العمل بخبر الواحد ما اختاره رئيس الطائفة بعينه ،
حيث قال : والتوسّط أصوب ، فما قبله الأصحاب أو دلّت القرائن على صحّته عمل
به ، وما أعرض الأصحاب عنه أو شذّ يجب إطراحه ( 1 ) .
شرح
الكليني ، والصحيح والضعيف كذلك ، وهو الّذي أوجب له نقل الأخبار الّتي لم يتحقّق كذبها خوفاً
من ضياعها ، حيث إنّها كثيرة التفرّق في الكتب ، وأحال معرفة صحيحها من غيره على تنبيه
أصحاب علم الرجال ممّن تقدّم عليه . ولو كانت كلّها صحيحة مأخوذة من أُصول لا شكّ في
صحّتها لوجب التنبيه على ذلك ، لأنّه علم أنّ ما شُكي إليه من الاختلاف ما كان سببه إلاّ
اختلاف الأحاديث من الصحّة والضعف ، فكان يلزم عليه ان ينبّه صريحاً في أوّل كتابه : أنّي ما
اعتمدت ولا دوّنت إلاّ ما قطعت بصحّته ويبيّن وجه ذلك ومن أيّ أصل صحيح أخذه ؛ على أنّهم
صرّحوا بأنّه لا يجوز الاختلاف في الحديث المتواتر لكونه مفيداً للعلم مقطوعاً به ، ولو كانت
الأحاديث في كتب الحديث المعلومة مقطوعاً بها ثابتة الصحّة عن الأئمّة ( عليهم السلام ) لما جاز فيها
الاختلاف ، والأمر بخلاف ذلك .
هذا كلّه مع ما بيّنّاه سابقاً من فساد دعوى المصنّف ويكفي أصحاب الكتب الأربعة أن
يكون الداعي لجمعها خوفاً من اندراس الحديث وضياعه ، ولم يمكنهم عند ذلك تمييز الصحيح
والضعيف باليقين ، فجمعوا منها ما حسن الظنّ لهم به ولم يعلموا كذبه ومخالفته قطعاً لمذهب أهل
البيت ، وأحالوا في العمل به على ما يتحقّق
من حال رواته كما فعله الشيخ ( رحمه الله ) في أحكامه وفتاواه ، وغيره أيضاً كذلك .
وللشيخ المحقّق المدقّق بهاء الدين العاملي - قدّس الله روحه - هنا كلام محصّله : إنّ
المتقدّمين كان لهم سبيل إلى معرفة الحديث الصحيح بتكرّره في الأُصول القديمة أو وجوده في
أصل عُرض على أحد من الأئمّة ( عليهم السلام ) وعُرفت صحّته بقرينة أو غير ذلك ممّا يفيد ثبوت الصحّة ،
وكان ذلك في زمانهم متيسّراً علمه . ثمّ قال ( رحمه الله ) : وابن بابويه ( رحمه الله ) جرى في كتابه على متعارف
المتقدّمين [ من ] إطلاق الصحيح على ما يركن إليه ، فحكم بصحّة جميع ما أورده ، مع أن كثيراً من
تلك الأحاديث بمعزل عن الاندراج في الصحيح على مصطلح المتأخّرين ؛ والّذي بعث
هامش
( 1 ) راجع المعتبر 1 : 30 .