تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفوائد المدنية والشواهد المكية — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
ثمّ علماؤهم دبّروا تدابير عرفية واخترعوا قوانين سياسية : منها : أنّهم قسّموا الأحكام الشرعية إلى قسمين : قسم نصب الشارع دلالة قطعية عليه ، وقسم نصب الشارع دلالة ظنّية عليه . ومنها : أنّهم جعلوا الأُمّة قسمين : القسم الأوّل : " المجتهد " واعتبروا فيه ملكة مخصوصة مخفية غير منضبطة ، ولذلك يقع الاختلاف في كثير من الأفاضل بين أهل الخبرة هل هم مجتهدون أم لا ، واعتبروا في العمل بظنّه قدراً من بذل الوسع ، هو كذلك أمر مخفي غير منضبط . والقسم الثاني : " المقلّد " وأوجبوا عليه العمل بظنّ المجتهد في المسائل الّتي ليست من ضروريّات الدين ولا من ضروريّات المذهب ، ولذلك سمّوه " مقلّداً " فلو كان عنده حديث صحيح صريح في مسألة نظرية شرعية لم يطّلع عليه المجتهد وجب عليه طرحه والأخذ بظنّ المجتهد المخالف له المبني على استصحاب أو براءة أصلية أو شبهها .
شرح
لكن بعد ذلك يجوز خفاء بعضها ، لعدم وجود نصّ صريح به ، ويمكن استخراج حكمه من أُصول الشريعة بالاستنباط والاجتهاد ، وأثبتوا ذلك بنقلهم تعدّد أهل الفتوى في زمانه ( صلى الله عليه وآله ) مثل الخلفاء الأربعة وعبد الله بن العبّاس وغيرهم ، وتجويز الاجتهاد للرسل الّذي كان يرسلهم للجهات ، وبقوله تعالى : ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أُصولها فبإذن الله ) وذلك أنّ اثنين من الصحابة قطع أحدهما من نخل المشركين الجيّد والآخر الرديء ، والأوّل أراد غيظ المشركين بقطع الجيّد ، والثاني أراد بقاه لنفع الرسول ( صلى الله عليه وآله ) فلمّا سألهم الرسول عن ذلك كان هذا جوابهم وأذن الله لهم في ذلك وكان اجتهادهم . وأمّا أصحابنا فإنّهم بعد انقضاء الزمن الطويل واندراس الكتب المعتمدة في الرواية ولم يجدوا في أغلب الأحكام إلاّ أخبار الآحاد مع عدم وفائها بأحكام الفروع في الدلالة صريحاً ولا فحوى ، احتاجوا أيضاً إلى طريقة الاجتهاد والاستنباط بحيث لا يخرج فتواهم عن موافقة حديث الأئمّة وأُصولهم المعتمدة ولابدّ من الرجوع إلى قواعدها بنوع من الاستدلال . ودعوى أنّ كلّ مسألة من الفروع يمكن استفادة حكمها من نصّ الحديث بخصوصها فممّا يشهد بتعذّره الوجدان ، ودعوى المصنّف ذلك مكابرة في العيان عند الإنصاف .