ثمّ علماؤهم دبّروا تدابير عرفية واخترعوا قوانين سياسية :
منها : أنّهم قسّموا الأحكام الشرعية إلى قسمين : قسم نصب الشارع دلالة
قطعية عليه ، وقسم نصب الشارع دلالة ظنّية عليه .
ومنها : أنّهم جعلوا الأُمّة قسمين :
القسم الأوّل : " المجتهد " واعتبروا فيه ملكة مخصوصة مخفية غير منضبطة ،
ولذلك يقع الاختلاف في كثير من الأفاضل بين أهل الخبرة هل هم مجتهدون أم لا ،
واعتبروا في العمل بظنّه قدراً من بذل الوسع ، هو كذلك أمر مخفي غير منضبط .
والقسم الثاني : " المقلّد " وأوجبوا عليه العمل بظنّ المجتهد في المسائل الّتي
ليست من ضروريّات الدين ولا من ضروريّات المذهب ، ولذلك سمّوه " مقلّداً " فلو
كان عنده حديث صحيح صريح في مسألة نظرية شرعية لم يطّلع عليه المجتهد
وجب عليه طرحه والأخذ بظنّ المجتهد المخالف له المبني على استصحاب أو
براءة أصلية أو شبهها .
شرح
لكن بعد ذلك يجوز خفاء بعضها ، لعدم وجود نصّ صريح به ، ويمكن استخراج حكمه من أُصول
الشريعة بالاستنباط والاجتهاد ، وأثبتوا ذلك بنقلهم تعدّد أهل الفتوى في زمانه ( صلى الله عليه وآله ) مثل الخلفاء
الأربعة وعبد الله بن العبّاس وغيرهم ، وتجويز الاجتهاد للرسل الّذي كان يرسلهم للجهات ، وبقوله
تعالى : ( ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أُصولها فبإذن الله ) وذلك
أنّ اثنين من الصحابة قطع أحدهما من نخل المشركين الجيّد والآخر الرديء ، والأوّل أراد
غيظ المشركين بقطع الجيّد ، والثاني أراد بقاه لنفع الرسول ( صلى الله عليه وآله ) فلمّا سألهم الرسول عن ذلك كان
هذا جوابهم وأذن الله لهم في ذلك وكان اجتهادهم .
وأمّا أصحابنا فإنّهم بعد انقضاء الزمن الطويل واندراس الكتب المعتمدة في الرواية ولم
يجدوا في أغلب الأحكام إلاّ أخبار الآحاد مع عدم وفائها بأحكام الفروع في الدلالة صريحاً ولا
فحوى ، احتاجوا أيضاً إلى طريقة الاجتهاد والاستنباط بحيث لا يخرج فتواهم عن موافقة حديث
الأئمّة وأُصولهم المعتمدة ولابدّ من الرجوع إلى قواعدها بنوع من الاستدلال .
ودعوى أنّ كلّ مسألة من الفروع يمكن استفادة حكمها من نصّ الحديث بخصوصها فممّا
يشهد بتعذّره الوجدان ، ودعوى المصنّف ذلك مكابرة في العيان عند الإنصاف .