تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوح — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
واجتمعت عنده الأطباء فلم يعف عنه شيئا ، قال : فأرسل الرشيد إلى طبيب من أهل فارس يقال له الأسقف ( 1 ) ، فأشخص إليه والرشيد يومئذ في قصر حميد الطوسي ( 2 ) ، فقال : انزلوا هذا الطبيب حتى يستريح ، فإذا كان غداة غد فأتوني به ! قال : فأنزل الطبيب ، وأمر الرشيد بقوارير فيها أبوال كثيرة مختلفة فجمعت ، فلما أن كان من الغد أرسل إلى الطبيب فدعاه ، ثم أمر أن تعرض القوارير على الطبيب فعرضت عليه ، فكان يصف لكل قارورة وصاحبها بما يعلم من علته ، حتى إذا قدم إليه قارورة الرشيد ونظر إليها قال : قولوا لصاحب هذه القارورة أن يدع الحمية ويوصي ، فإنه لا يقوم من علته هذه ! فلما سمع الرشيد ذلك الكلام من الطبيب أيس من الحياة وذرفت عيناه بالدموع ، وجعل يتمثل بهذين البيتين ( 3 ) : إن الطبيب بطبه ودوائه * لا يستطيع دفاع محذور القضا ما للطبيب يموت بالداء الذي * قد كان يبرئ غيره فيما مضى قال : ثم أقبل الرشيد بن المهدي على الفضل بن الربيع وهو واقف بين يديه فقال : يا فضل ! ما يقول الناس ؟ قال : يقولون خيرا يا أمير المؤمنين ! فقال : على كل حال اصدقني عن أراجيفهم ، فإني أظنهم يقولون قد مات أمير المؤمنين الرشيد بالله . قال : فبكى الفضل وتغرغرت عيناه بالدموع . قال : فاستوى الرشيد جالسا على خيله ثم قال : أسرجوا لي ! فأسرجوا له حمارا مصريا ، ثم حمل حملا حتى استوى عليه فكاد لحم فخذيه أن يسقط ولم يمكنه أن يثبت على السرج فقال : أنزلوني ، قد صدق الطبيب ( 4 ) ، أنا والله ميت لا شك في ذلك ! قال : ثم دعا بأكفانه فنشرت بين يديه ، وأمر بقبره فحفر وهو ينظر إليه ( 5 ) . ثم جعل يسترجع ويبكي على نفسه وهو يتمثل بقول صالح بن عبد القدوس حيث يقول : وكم من ذي مصانع قد بناها * وشيدها قليل الخوف عات فبات ولم يروع من زوال * ولا يخشى المنايا الرازيات
هامش
( 2 ) في الطبري 8 / 344 وابن الأثير 4 / 90 جبريل بن بختيشوع . ( 3 ) الطبري : دار حميد بن أبي غانم الطائي . ( 1 ) البيتان في مروج الذهب 3 / 448 والاخبار الطوال ص 392 باختلاف بعض الالفاظ . ( 2 ) في مروج الذهب 3 / 449 صدق المرجفون . ( 3 ) في مروج الذهب : فلما اطلع فيه قال : ( ما أغنى عني ماليه ، هلك عني سلطانيه ) .
الفتوح — صفحة 398 | أحمد بن أعثم الكوفي / علي شيري