تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوح — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
الشافعي مغضبا ثم قال : إليكم عني يا عبيد الرجعة ! أولستم الذين باعوا أنفسهم من هذه الدنيا بطلب الشفعة ! أما رأيتم من استدرج من الأمم الماضية والقرون الخالية ! أما رأيتم كيف علم مستورهم وأمطرت عليهم المنايا بالفناء فاضمحل سرورهم فأضحوا بعد خفض عيشهم ولين رفاهتهم في نسيم البطالين حصائد النعم ومدارج المتالف والنقم . قال فقال الرشيد : يا بن إدريس : لقد سللت علينا حسامك من لسانك وهو أمضى من سيفك وسنانك ! فقال : يا أمير المؤمنين ! هول ك إن شئت وإن قبلت . وإن شئت كففت عن ذلك ! قال الرشيد : فإنا قد قبلنا موعظتك ونحن موجهوك إلى أرض اليمن لتكون على صدقاتهم ، فسر على بركة الله وعونه ! ولا ترفعن إلي باطلا ولا تمنعن ذا حق حقه . قال : ثم خلع عليه الرشيد وحمله وأحسن جائزنه ، وأمر الكاتب أن يكتب له عهدا . وسار الشافعي حتى دخل اليمن فأقام بها حولا كاملا ، واتصل الخبر إلى الرشيد أن الشافعي يريد أن يخرج عليه علويا بأرض اليمن - وكان الخبر باطلا ، فغضب الرشيد لذلك غضبا شديدا ، ثم أرسل إلى الشافعي فحمله ، وحمل معه بضعة من أصحابه حتى وافوا الرشيد ، قال : وبلغ الخبر إلى محمد بن الحسن [ فأقبل ] على الرشيد فقال : يا أمير المؤمنين ! تأن في أمر هذا الرجل ولا تعجل عليه ، فإنه فقيه الحجاز وأنا مخالف له على مذهبه ، ولعل الناس يقولون أنا الذي سعيت به إلى أمير المؤمنين ! قال : فزبره الرشيد زبرة وقال : اخرج من بين يدي فأنت الذي أشرت علي به ، فوالله لأقتلنه قتلة ما سبقني أحد إليها . قال : فخرجت إلى الشافعي فإذا هو في سراويله وقد عري من ثيابه ، فتقدمت إليه وقلت : لا ع ليك أبا عبد الله ! اتق الله واتكل عليه ، فإني أرجو أن يكون لك من الله فرج وأن يسلمك الله منه ، فإني قد كلمته فيك فزبرني حتى اتقيته على نفسي غير أنه رجل فصيح ، وأنت بحمد الله قد رزقت الفصاحة ، فهيىء له كلاما تستمليه به ، قال : فإني لكذلك أكلمه . إذ دعا به فأدخل ، فلما رآه الرشيد قال : بسم الله الرحمن الرحيم ( يايها الذين امنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهلة فتصبحوا على ما فعلتم ندمين ) ( 1 ) فقال الرشيد : أوليس الكلام والامر على ما قيل فيك يا بن إدريس ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ! أوليس في الناس علوي إلا ويظن أن الناس له عبيد ! فكيف أخرج رجلا يريد أن يجعلني عبدا وأغدر بسادات بني عبد المطلب وأنا منهم وهم
هامش
( 1 ) سورة الحجرات ، الآية 6 .