تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوح — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
أم منسوخه ، أم محكمه ، أم متشابهه . قال : فتبسم أمير المؤمنين الرشيد ثم التفت إليه وقال : إن الرجل لكما وصفت إن لم تكن فيه نخوة قريش ! قال : فسكت الإمام الشافعي ولم يقل شيئا ، فقال له الرشيد : كيف علمك بالفرائض ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ما شذ علي شيء منها ، وإني لأعرف حلالها وحرامها واختلافها ، فقال : وكيف علمك بالاحكام ؟ فقال : يسأل أمير المؤمنين عما شاء وعن أي نوع شاء من نوع الاحكام وما اختلف فيه الاسلام ، فقال : كيف علمك بالطب ؟ فقال : إني لأعرف ما قالت فيه فلاسفة الهند والروم وأبقراط وجالينوس وأرسطاطاليس وغيرهم من العلماء والحكماء ، قال : فكيف علمك بالنجوم ؟ قال : إني لاعلم قطب الدائرة ( 1 ) ومنازل القمر والبروج كلها من المؤنث والمذكر وما يهتدي به البر والبحر ، قال : فكيف علمك بالشعر ؟ فقال : لقد رويت منه القديم والحديث ، والجد والهزل ، وما يحض على المكارم والبذل ، قال : فكيف علمك بالعرب ؟ فقال : إني لأعرف أنساب السادة الكرام والأراذل اللئام ، فقال الرشيد : يا بن إدريس ! لقد ادعيت من العلوم عظيما وإخالك بما ذكرت عليما ، فعظ أمير المؤمنين عظة تبين له بعض ما ادعيت ! فقال : نعم يا أمير المؤمنين ! على طرح الحشمة وترك الهيبة وقبول النصيحة وإلقاء رداء الكبرياء عن عاتقك ، فقال الرشيد : ولك ذلك وأنت آمن ، فقل ما بدا لك ! قال : فجثا الشافعي على ركبتيه بين يديه ثم قال : يا ذا الرجل ! من أطال عنان الامر في العز طوى عنان الحزن في المهلة ، ومن لم يبادر إلى طريق النجاة كان مقيما على قلة الاكتراث بالمرجعة إلى الله تعالى ، ومن استعمل حسن الظن فيما يحذر من المحذور كان في أمره كمثل نسج العنكبوت ، وأليس الناس من بادر مطايا المراجعة إلى دار المقامة ، ولو فعلت ذلك لما أنفذت إليك يد الندامة ولا الحسرات غدا في عرصات المقامة ، ولو فعلت ذلك لما أنفذت إليك يد الندامة ولا الحسرات غدا في عرصات القيامة ، ولكنك أتيت من جلد لا يؤدى حقه إلى طليل ، ومن أذن يمج الكلام مجي عن اذنك ثم أعقبك التواني والاغترار بنفسك ، ولو كان لك دليل يدل على ما سقط من عيبك لشغلك ذلك عن عيب غيرك لكن ضرب عليك الهوى رواق الحيرة فتركك إذا أخرجت يدك لم تكد تراها ، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ! فاتق الله أيها الرجل تقوى من يعلم أن الله عليه رقيب ، ومن علم أن الله بالقيامة حسيب . قال : فدمعت عينا أمير المؤمنين الرشيد حتى بل منديله ، فقال له بعض خدم الخواص : اسكت فقد أبكيت أمير المؤمنين ! قال : فالتفت إليه
هامش
( 1 ) بالأصل ( القطب الدائر ) .
الفتوح — صفحة 376 | أحمد بن أعثم الكوفي / علي شيري