أصحابه أن اركبوا ! ثم تبعهم . قال : والتفتت الأزارقة إلى خيل المهلب قد وافتهم ،
فرجعوا إليه وعزموا على الموت ، فتقدم عبيدة بن هلال وحسر عن رأسه وهو يرتجز ويقول :
حتى متى يتبعنا المهلب * كأنه في أثر صحبي كوكب
في كل يوم معزبات ( 1 ) شزب * فرسانها من حنق تلتهب
ليس لنا في الأرض منهم مهرب * ولا السماء أين أين المهرب ( 2 )
قال : فحمل عليه بشر ابن أخي المهلب ( 3 ) فطعنه طعنة ، سقط عبيدة عن
فرسه مفضوحا ، فأنشأ بشر يقول في ذلك أبياتا مطلعها :
يا مليك ابنة الملوك سل بي * وبطعني عبيدة بن هلال
إلى آخرها .
قال : وصاح صالح بن مخراق : يا معشر المهاجرين ! موتوا على دينكم ،
وولوني قتال القوم ! قال : ثم تقدم صالح أمام القوم وجعل ينادي : يا معشر المحلين
بشر لبشر ونفر لنفر ، والله لا برحت أموت أو تموتوا . قال : فالتفت المهلب إلى ابنه
المفضل ، فقال : أبا غسان ! شأنك والرجل ، فأخرج إليه في أصحابك فإنه قد خرج
في أصحابه ، فإنه عجل فتأن وإن أمسك فتقدم . قال : فخرج المفضل بن المهلب
في خيله حتى وقف قبالة صالح بن مخراق ، قال ثم قال : أنا أبو غسان فأثبت يا بن
مخراق ! قال : ثم عطف عليه المفضل والتقيا بضربتين ، ضربه المفضل انفلت منها
صالح بن مخراق وهو يولول ، فناداه المفضل : إلى أين يا بن مخراق ؟ إن كنت
صادقا فاثبت ! قال : فلم يجبه صالح إلى شيء واشتغل بما قد نزل به من الضربة .
قال : واشتد القتال وجعلت الأزارقة كلما مل منهم قوم من القتال تأخروا وتقدم
آخرون ، فقال المهلب : سبحان الله العظيم ! والله ما رأيت ولا سمعت بمثل هؤلاء
القوم ساعة قط ، كان كل ما ينقص منهم أن يزيد فيهم . فقال المفضل : نعم والله .
أصلح الله الأمير ! وأعجب من ذلك أني كلما قلت ملوا من الحرب قد عادوا حتى
هامش
( 1 ) في شعر الخوارج : مقربات .
( 2 ) الأشطار الأول والخامس والسادس في الاخبار الطوال ص 276 .
( 3 ) لعله بشر بن المغيرة بن المهلب ، وقد ورد اسمه كثيرا في الكامل للمبرد ، وأنه كان كثير البلاء في قتاله
للخوارج .