تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتوح — صفحة 105

مساهمون:

ص١٠٥
بهذه البئر ثم صلى ركعتين ومضى في هذه البرية ، فلا أدري إلى أين صار ، قال : فسار القوم عند ذلك وجعلوا يقتصون الأثر حتى وقفوا عليه ، فوجدوه ساجدا ، قال : فلم يشعر سعيد بن جبير إلا والقوم على رأسه فسلموا عليه ، فأوجز في صلاته ثم رد عليهم السلام . ثم قال : ما وراءكم عافاكم ؟ فقالوا : نحن رسل الأمير الحجاج بن يوسف فأجب ! فقال سعيد بن جبير : ولا بد لكم من ذلك ؟ قالوا : نعم . فوثب سعيد ومشى معهم حتى انتهى إلى باب الدير وذلك في وقت المساء ، فقال لهم الراهب : أصبتم صاحبكم ؟ قالوا : نعم قد أصبناه ، قال : فأدخلوا إذا الدير ، فهذا موضع مسبع فلم يخل من السباع ، وهذا وقت المساء ! فبادروا ودخلوا ، قال : فدخل القوم وأبى سعيد بن جبير أن يدخل معهم ، فقال له القوم : يا بن جبير ! إنا نظنك أنك قد عزمت على الهرب ! فقال : لا ، ولكني لا أحب أن أدخل منزلا لا يصلي فيه أهله الخمس ، فأدخلوا وذروني ههنا على باب الدير ، فإني أعطيكم عهد الله وميثاقه أن لا أبرح مكاني هذا حتى أصبح . قال : فتركوه ودخلوا الدير ، وقام سعيد يصلي والراهب ينظر إليه من فوق صومعته ، فلما مضى من الليل ما مضى إذا بالأسد واللبوة قد أقبلا جميعا إليه وهما يزئران حتى تقاربا منه ثم شماه وتنحيا عنه فريضا قريبا منه ، والراهب ينظر إلى ذلك ، فصاح بالقوم وقال : يا هؤلاء ! قوموا وانظروا إلى صاحبكم ! قال : فأشرف أصحاب الحجاج من فوق حائط الدير ، فنظروا إلى سعيد بن جبير قائما يصلي والأسد واللبوة رابضان جميعا قريبا منه ، فعجبوا من ذلك ، ثم قال بعضهم لبعض : بأي وجه نلقى غدا وقد ذهب بمثل هذا الرجل إلى الحجاج ولعله أن يقتله ! وانصرف الأسد واللبوة وأصبح القوم ، فأول من خرج إليه الراهب صاحب الدير فأسلم ، ثم خرج إليه أصحاب الحجاج فقالوا : أيها الرجل الصالح ! إن الحجاج قد أخذ علينا الايمان المغلظة أنا إن عايناك لم نفارقكم فنأتيه بك ، فمرنا بما شئت ! فقال سعيد : ولابد لكم إذا قد حلفتم أن تحضروني إليه ، ولا راد لقضاء الله وقدره . قال : فحمله القوم على دوابهم وساروا حتى تقاربوا من واسط ، قال لهم سعيد : لا تعجلوا ، هذه واسط قد بلغناها ، ولست أشك أن أجلي قد حضر ، ولكني ذروني الليلة حتى آخذ أهبة الموت ، فإذا أصبحت أدخلوني على صاحبكم ! قال : فسكت القوم وخلوا عنه ، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا : لا نطلب أثرا بعد عين ، نخاف أن يهرب ، فقال بعضهم : لا والله لا يهرب وقد أعطاكم على باب الدير من العهود والمواثيق ثم وفى لكم بما قال ولم يهرب ! وقد رأيتم من الأسد واللبوة ما قد رأيتم ، فذروه ليلته هذه يصنع ما بدا له قال : فتركه القوم ليلته