بهذه البئر ثم صلى ركعتين ومضى في هذه البرية ، فلا أدري إلى أين صار ، قال :
فسار القوم عند ذلك وجعلوا يقتصون الأثر حتى وقفوا عليه ، فوجدوه ساجدا ، قال :
فلم يشعر سعيد بن جبير إلا والقوم على رأسه فسلموا عليه ، فأوجز في صلاته ثم رد
عليهم السلام . ثم قال : ما وراءكم عافاكم ؟ فقالوا : نحن رسل الأمير الحجاج بن
يوسف فأجب ! فقال سعيد بن جبير : ولا بد لكم من ذلك ؟ قالوا : نعم . فوثب
سعيد ومشى معهم حتى انتهى إلى باب الدير وذلك في وقت المساء ، فقال لهم
الراهب : أصبتم صاحبكم ؟ قالوا : نعم قد أصبناه ، قال : فأدخلوا إذا الدير ، فهذا
موضع مسبع فلم يخل من السباع ، وهذا وقت المساء ! فبادروا ودخلوا ، قال :
فدخل القوم وأبى سعيد بن جبير أن يدخل معهم ، فقال له القوم : يا بن جبير ! إنا
نظنك أنك قد عزمت على الهرب ! فقال : لا ، ولكني لا أحب أن أدخل منزلا لا
يصلي فيه أهله الخمس ، فأدخلوا وذروني ههنا على باب الدير ، فإني أعطيكم عهد
الله وميثاقه أن لا أبرح مكاني هذا حتى أصبح . قال : فتركوه ودخلوا الدير ، وقام
سعيد يصلي والراهب ينظر إليه من فوق صومعته ، فلما مضى من الليل ما مضى إذا
بالأسد واللبوة قد أقبلا جميعا إليه وهما يزئران حتى تقاربا منه ثم شماه وتنحيا عنه
فريضا قريبا منه ، والراهب ينظر إلى ذلك ، فصاح بالقوم وقال : يا هؤلاء ! قوموا
وانظروا إلى صاحبكم ! قال : فأشرف أصحاب الحجاج من فوق حائط الدير ،
فنظروا إلى سعيد بن جبير قائما يصلي والأسد واللبوة رابضان جميعا قريبا منه
، فعجبوا من ذلك ، ثم قال بعضهم لبعض : بأي وجه نلقى غدا وقد ذهب بمثل هذا
الرجل إلى الحجاج ولعله أن يقتله ! وانصرف الأسد واللبوة وأصبح القوم ، فأول من
خرج إليه الراهب صاحب الدير فأسلم ، ثم خرج إليه أصحاب الحجاج فقالوا : أيها
الرجل الصالح ! إن الحجاج قد أخذ علينا الايمان المغلظة أنا إن عايناك لم نفارقكم
فنأتيه بك ، فمرنا بما شئت ! فقال سعيد : ولابد لكم إذا قد حلفتم أن تحضروني
إليه ، ولا راد لقضاء الله وقدره . قال : فحمله القوم على دوابهم وساروا حتى تقاربوا
من واسط ، قال لهم سعيد : لا تعجلوا ، هذه واسط قد بلغناها ، ولست أشك أن
أجلي قد حضر ، ولكني ذروني الليلة حتى آخذ أهبة الموت ، فإذا أصبحت أدخلوني
على صاحبكم ! قال : فسكت القوم وخلوا عنه ، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا : لا
نطلب أثرا بعد عين ، نخاف أن يهرب ، فقال بعضهم : لا والله لا يهرب وقد أعطاكم
على باب الدير من العهود والمواثيق ثم وفى لكم بما قال ولم يهرب ! وقد رأيتم من
الأسد واللبوة ما قد رأيتم ، فذروه ليلته هذه يصنع ما بدا له قال : فتركه القوم ليلته
الفتوح — صفحة 105
مساهمون: أحمد بن أعثم الكوفي
ص١٠٥