وصحَّ القصد ، أُلغي اللفظ وأُعمل القصد تصحيحاً وإِبطالاً » . ( 1 )
أنّه اعتبر في الفروع أثر القصد ، كما قال في الطلاق : « باب إِذا قال : فارقتك أو
سرَّحتك ، أَو الخلية ، أَو البرية ، أَو ما عنى به الطلاق ، فهو على نيّته » . ( 2 )
وهكذا يهتمُّ أَهل الحديث بالنِّيّات والمقاصد ، ولا يكتفون بظاهر الأَلفاظ ، ولا
يحكمون بموجبها حتى ينضمَّ القصد إِلى اللفظ .
ولذلك قال ابن القيم في « أَعلام الموقعين » : « وقاعدة الشريعة التي لا يجوز
هدمها : أَنَّ المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبادات ، كما هي معتبرة في
التقرّبات والعبادات ، فالقصد والنيّة والاعتقاد يجعل الشيء حلالاً وحراماً ، وصحيحاً
وفاسداً ، وطاعة ومعصية ، كما أَنّ القصد في العبادة يجعلها واجبة ، أَو مستحبة ، أَو
محرمة ، أَو صحيحة ، أَو فاسدة » . ( 3 )
الثاني : إِظهار المخالفة لأبي حنيفة في النيّة وتأثيرها
وقد يناقش أَبو حنيفة وأَتباعه تأثير القصد والنية ، ويرون الأَحكام تجري
مجرى العبارات والتصرفات الظاهرة ، من دون دخل للنيّات والمقاصد في ذلك ،
ولذلك أَكثر البخاري في الأَبواب المختلفة ذكر القصد والنيّة ، مع الإِشارة إِلى رواية
« الأَعمال بالنيّات » ، فإنَّه كما افتتح كتابه « الصحيح » بهذه الرواية ، فقد افتتح بها « كتاب
الحيل » في الصحيح ، وفي أَبواب أُخر أيضاً .
هامش
1 - فتح الباري 12 : 290 ، منتهى الآمال في شرح حديث « إِنَّما الأَعمال بالنّيّات » للسيوطي : 116 . وابن
المنير هو : أَحمد بن محمد بن منصور ، من علماء الإِسكندرية وأَدبائها ، وَلِيَ قضاءها وخطابتها مرتين
توفي سنة 683 ه ، فوات الوفيات 1 : 72 .
والذرائع : الوسائل ، والواحدة « ذريعة » ، يقال : اتخذ هذا الأَمر ذريعة إِلى كذا ، أَي : وسيلة ، والذرائع ، بالذال
المعجمة ، والأَصل في هذا قوله تعالى : ( ولا تَسُبُّوا الّذينَ يَدعونَ مِن دونِ الله فَيَسُبَّوا اللهَ عدواً بِغَيرِ عِلم )
نهى المؤمنين عن سب الأَصنام ، لئلاَّ يتخذه المشركون وسيلة إِلى سبّ الباري جلّ وعلا .
2 - البخاري بحاشية السندي 3 : 270 .
3 - أَعلام الموقعين 3 : 69 .