أقول : إن كان الكلام في قضاء الفقهاء مع الإذن العامّ الصادر لهم من قبل الأئمّة ( عليهم السلام ) ،
فقد قلنا سابقاً : إنّه يكفي في تجويز تصدّيهم له حتّى ولو كان الإذن من إمام سابق ؛ وذلك ،
لأنّ ولاية الأئمّة ( عليهم السلام ) ولاية مطلقة ، ونصب الواحد منهم لأيّ فقيه بعنوانه الكلّي ، إنّما هو
بمنزلة نصب الآخرين له . هذا إذا كان نصبهم بمعنى إنشاء القاعدة كحكم من الأحكام
الفقهيّة أي يكون كلّياً شاملاً لعنوان الأشخاص دون شخصهم . أمّا إذا عيّنوا فرداً معيّناً
لتصدّي أمر معيّن في زمانهم ( عليهم السلام ) فإنّه مختصّ بزمانهم ظاهراً . ولأنّه يجوز لكلّ إمام أن
يقوم في عصره بتمشية عامّة الأعمال التي تتعلّق بالعصور التالية له ، طبقاً لمصلحة
الإسلام والمسلمين . هذا مضافاً إلى أنّ الإمام الثاني عشر الحيّ ( عليه السلام ) نفسه ، قد جعل الفقهاء
الجامعين للشرائط ، حجّة على الناس وخوّلهم تسيير دفّة الحكم ، وجعل مجاري الأمور
وتمشيتها بأيديهم .
ويتلخّص ذلك في أنّ الأئمّة ( عليهم السلام ) يتحلّى كلّ واحد منهم بوجودين متميّزين يعتبران
القدوة المثلى في تحقيق الشخصية الإسلاميّة ؛ أحدهما : الوجود العامّ وهم فيه سواسية مع
سائر أفراد المجتمع من حيث الحقوق والواجبات ، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم ، إلاّ فيما له
خصوصيّة وعلاقة بالوجود الخاصّ الذي يتفردّون به . ثانيهما : الوجود الخاصّ الذي
يتحلّون فيه بإمامة وقيادة المجتمع بما لهم من ولاية خاصّة منصوص عليها وعصمة
تحلّوا بها من أجل ذلك حازوا رئاسة الدين والدنيا . والإمامة من وجهة نظر الإماميّة
رئاسة عامّة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) ( 1 ) . وهذه الرئاسة في أمور الدنيا تجعل
الإمام مكلّفاً بتولّي أمورها بأفضل الوسائل وأمثلها وعلى أساس من شرائع الإسلام الأصليّة .
فإذا تمّ هذا ، فيعلم أنّ نصب القُضاة والولاة إنّما هو مرتبط بالوجود الخاصّ المارّ الذكر ؛ بمعنى :
أنّه متعلّق بإمامة الإمام ، ومسؤوليّته القيادية . ومؤدّى ذلك هو أنّ الإمام إذا مات شخصه ،
هامش
1 - الألفين ، ص 12 .