تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
وساقطة عنه صدقوا أو كانوا قد خصوا عموم قوله تعالى « ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء » وجعلوا هؤلاء ممن شاء ولا بد أن يغفر لهم وإن قالوا بل جايز أن يعذبهم أكذبهم الله تعالى بقوله « فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية » وبقوله « إن الحسنات يذهبن السيئات » ( قال أبو محمد ) وكذلك القول فيمن تساوت حسناته وكبائره وهم أهل الأعراف فلا يعذبون أصلا فقد صح يقينا أن هؤلاء الطبقات الأربع هم الذين شاء الله تعالى أن يغفر لهم بلا شك فبقي الذين لم يشاء الله تعالى أن يغفر لهم ولم يبق من الطبقات أحد إلا من رجحت كبائره في الموازنة على حسناته فهم الذين يجاوزون بقدر ذنوبهم ثم يخرجون من النار بالشفاعة وبرحمة الله عز وجل فقالوا من هؤلاء من يغفر الله تعالى ومنهم من يعذبه قلنا لهم أعندكم بهذا البيان نص وهم لا يجدونه أبدا فظهر تحكمهم بلا برهان وخلافهم لجميع الآيات التي تعلقوا بها فإنهم مقرون على أنها ليست على عمومها بل هي مخصوصة لأن الله تعالى قال أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ولا خلاف في أنه تعالى يغفر الشرك لمن آمن فصح أنها مجملة تفسرها سائر الآيات والأخبار وكذلك حديث عبادة خمس صلوات كتبهن الله تعالى على العباد من جاء بهن لم ينقص من حدودهن شيئا كان له الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد أن شاء غفر له وإن شاء عذبه فإنهم متفقون على أن من جاء بهن لم ينتقص من حدودهن شيئا إلا أنه قتل وزني وسرق فإنه قد يعذب ويقولون أن لم يأت بهن فإنه لا يعذب على التأبيد بل يعذب ثم يخرج عن النار ( قال أبو محمد ) هذا ترك منهم أيضا لظاهر هذا الخبر ( قال أبو محمد ) ولا فرق بين قول الله تعالى « فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية » وبين قوله « وأما من خفت موازينه فأمه هاوية » كلاهما خبر أن جاز إبطال أحدهما جاز إبطال ت الأربع هم الذين شاء الله تعالى أن يغفر لهم بلا شك فبقي الذين لم يشاء الله تعالى أن يغفر لهم الآخر ومعاذ الله من هذا القول وكذلك قد منع الله تعالى من هذا القول بقوله تعالى « لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد » ونحن نقول إن الله تعالى يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإنه تعالى يغفر ما دون الشرك لمن يشاء وإن كل أحد فهو في مشيئة الله تعالى الا أننا نقول أنه تعالى قد بين من يغفر له ومن يعذب وإن الموازين حق الموازنة حق الشفاعة حق وبالله تعالى التوفيق حدثنا محمد بن سعيد بن
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 53 | ابن حزم