الطاعات فإذا أسلم من الكفر وتاب من جميع معاصيه فهو الاسلام الذي يجب ما قبله وإذا لم يتب من معاصيه فلم يحسن في الاسلام فهو مأخوذ بالأول والآخر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وبهذا تتفق الأحاديث وكذلك قوله عليه السلام والهجرة تجب ما قبلها فقد صح عنه عليه السلام أن المهاجر من هجر ما نهاه الله عنه فمن تاب من جميع المعاصي التي سلفت منه فقد هجر ما نهاه الله عنه فهذه هي الحجرة التي تجب ما قبلها وأما قوله عليه السلام والحج يجب ما قبله فقد جاء أن العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء الا الجنة فهذا على الموازنة التي ربنا عز وجل عالم بمراتبها ومقاديرها وإنما تقف حيث وقفنا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وبالله تعالى التوفيق
( قال أبو محمد ) واستدركنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في قاتل نفسه حرم عليه الجنة وأوجب له النار مع قوله من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه حرم عليه النار وأوجب له الجنة
( قال أبو محمد ) قال الله تعالى « وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى » فصح أن كلامه صلى الله عليه وسلم كله وحي من عند الله تعالى وقال عز وجل « ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا » فصح أن ما قاله رسول صلى الله عليه وسلم فمن عند الله تعالى وأنه لا اختلاف في شئ منه وأنه كله متفق عليه فإذ ذلك كذلك فواجب ضم هذه الأخبار بعضها إلى بعض فيلوح الحق حينئذ بحول الله وقوته فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم في القاتل حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار مبنى على الموازنة فإن رجحت كبيرة قتله نفسه على حسناته حرم الله عليه الجنة حتى يقتص منه بالنار التي أوجبها الله تعالى جزاء على فعله وبرهان هذا الحديث الذي أسلم وهاجر مع عمرو بن الحممة الدوسي ثم قتل نفسه لجراح جرح به فتألم به فقطع عروق يده فنزف حتى مات فرآه بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في حال حسنة إلا يده وذكرا قيل له لن يصلح منك ما أفسدت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم وليديه فاغفر ومعنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله مخلصا من قلبه حرم الله عليه النار وأوجب له الجنة فهذا لا يختلف فيه مسلمان أنه ليس على ظاهرة منفردا لكن يضمه إلى غيره من الإيمان لمحمد صلى الله عليه وسلم والبراءة من كل دين حاشا دين الإسلام ومعناه حينئذ أن الله عز وجل أوجب له الجنة ولا بد إما
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 56
مساهمون: ابن حزم
ص٥٦