من أجمل جواز المغفرة وجوز العقاب
( قال أبو محمد ) فوجدنا هذا القول مجملا قد فسرته آيات الموازنة وقوله تعالى الذي تعلقوا به « إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء » حق على ظاهرها وعلى عمومها وقد فسرتها بإقرارهم آيات أخر لأنه لا يختلف في أن الله تعالى يغفر أن يشرك به لمن تاب من الشرك بلا شك وكذلك قوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فهذا كله حق إلا أنه قد بين من هم الذين شاء أن يغفر لهم فإن صرتم إلى بيان الله تعالى فهو الحق وإن أبيتم الا الثبات علي الإجمال فأخبرونا عن قول الله تعالى « يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا » وقوله تعالى « بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء » أترون أن هذا العموم تقولون به فتجيزون أنه يغفر الكفر لأنه ذنب من الذنوب أم لا وأخبرونا عن قول الله عز وجل حاكيا عن عيسى عليه السلام أنه يقول له تعالى يوم القيامة « يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك » إلى قوله « وأنت على كل شيء شهيد » إلى قوله « تجري من تحتها الأنهار » أيدخل النصارى الذين اتخذوا عيسى وأمه الهين من دون الله تعالى في جواز المغفرة لهم لصدق قول الله تعالى في هذا القول من التخيير بين المغفرة لهم أو تعذينهم وأخبرونا عن قوله تعالى « قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة » فمن قولهم إن المغفرة لا تكون البتة لمن كفر ومات كافرا وأنهم خارجون من هذا العموم ومن هذه الجملة بقوله تعالى « إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء » قيل لهم ولم خصصتم هذه الجملة بهذا النص ولم تخصوا قوله تعالى « ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء » بقوله « فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية » وبقوله تعالى « هل تجزون إلا ما كنتم تعملون » وبقوله تعالى « اليوم تجزى كل نفس بما كسبت » وهذا خبر لا نسخ فيه فإن قالوا نعم الا أن يشاء أن يغفر لهم قيل لهم قد أخبر الله تعالى أنه لا يشاء ذلك بإخباره تعالى أنه في ذلك اليوم يجزى كل نفس ما كسبت ولا فرق ( قال أبو ) محمد وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل يأتي يوم القيامة وله صدقة
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 51
مساهمون: ابن حزم
ص٥١