وصيام وصلاة فيوجد قد سفك دم هذا وشتم هذا فتؤخذ حسناته كلها فيقتص لهم منها فإذا لم يبق له حسنة قذف من سيآتهم عليه ورمى في النار وهكذا أخبر عليه السلام في قوم يخرجون من النار حتى إذا نقوا وهذبوا ادخلوا الجنة وقد بين عليه السلام ذلك بأنه يخرج من النار من في قلبه مثقال حبة من شعير من خير ثم من في قلبه مثقال برة من خير ثم من في قلبه مثقال حبة من خردل ثم من في قلبه مثقال ذرة إلى أدني أدني أدنى من ذلك ثم من لم يعمل خيرا قط لآل شهادة السلام فوجب الوقوف عند هذه النصوص كلها المفسرة للنص المجمل ثم يقال أخبرونا عمن لم يعمل شرا قط الا اللمم ومن هم بالشر فلم يفعله فمن قول أهل الحق أنه مغفور له جملة بقوله تعالى « إلا اللمم » وبقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تجاوز لا متى عما حدثت به أنفسها ما لم تخرجه بقول أو عمل
( قال أبو محمد ) وهذا ينقسم أقساما أحدها من هم بسيئة أي شئ كانت من السيئات ثم تركها مختار الله تعالى فهذا تكتب له حسنة فإن تركها مغلوبا لا مختارا لم تكتب له حسنة ولا سيئة تفضلا من الله عز وجل ولو عملها كتبت له سيئة واحدة ولو هم بحسنة ولو يعملها كتبت له حسنة واحدة وإن عملها كتبت له عشر حسنات وهذا كله نص رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ناظرت بعض المنكرين لهذا فذهب إلى أن الهم بالسيئة اصرار عليها فقلت له هذا خطأ لأن الاصرار لا يكون الا على ما قد فعله المرء بعد تماد عليه أن يفعله وإما من هم بما لم يفعل بعد فليس اصرارا قال الله تعالى « ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون » ثم نسألهم عمن عمل بالسيئات حاشا الكبائر عددا عظيما ولم يأت كبيرة قط ومات على ذلك أيجوزون أن يعذبه الله تعالى على ما عمل من السيئات أم يقولون أنها مغفورة له ولا بد فإن قالوا أنها مغفورة ولا بد صدقوا وكانوا قد خصوا قوله تعالى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وتركوا حمل هذه الآية على عمومها فلا ينكروا ذلك على من خصها أيضا بنص آخر وإن قالوا بل جائز أن يعبهم الله تعالى على ذلك أكذبهم الله تعالى بقوله « إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما » ونعوذ بالله من تكذيب الله عز وجل ثم نسألهم عمن عمل من الكبائر ومات عليها وعمل حسنات رجحت بكبائره عند الموازنة أيجوز أن يعذبه الله تعالى بما عمل من تلك الكبائر أم مغفورة له ساقطة عنه فإن قالوا بل هي مغفورة
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 52
مساهمون: ابن حزم
ص٥٢