ولا شك في أنه شيء سمعه فذكره لأنه رضي الله عنه لم يحضر ذلك ولا ذكره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحال أن يقطع ابن عباس بما لا علم له به لكن معنى الآية لا يعدو أحد وجهين أما انه هم بالايقاع بها وضربها كما قال تعالى وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وكما يقول القائل لقد همت بك لكنه عليه السلام امتنع من ذلك ببرهان أراه الله إياه استغنى به عن ضربها وعلم أن الفرار أجدى عليه واظهر لبراءته على ما ظهر بعد ذلك من حكم الشاهد بأمر القد من القميص والوجه الثاني أن الكلام تم عند قوله ولقد همت به ثم ابتدأ تعالى خبرا آخر فقال وهم بها لولا أن رأى برهان ربه وهذا ظاهر الآية بلا تكلف تأويل وبهذا نقول حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله الطلمنكي حدثنا ابن عون الله أنبأنا إبراهيم ابن أحمد بن فراس حدثنا أحمد بن محمد بن سالم النيسابوري أنا إسحاق بن راهويه أنا المؤمل ابن إسماعيل الحميري حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قالها يوسف عليه السلام قال له جبريل يا يوسف اذكر همك فقال يوسف وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء فليس في هذا الحديث على معنى من المعاني تحقيق الهم بالفاحشة ولكنه فيه أنه بأمرها وهذا حق كما قلنا فسقط هذا الاعتراض وصح الوجه الأول والثاني معا إلا أن الهم بالفاحشة باطل مقطوع على كل حال وصح أن ذلك الهم ضرب سيدته وهي خيانة لسيده إذ هم بضرب امرأته وبرهان ربه ها هنا هو النبوة وعصمة الله عز وجل إياه ولولا البرهان لكان يهم بالفاحشة وهذا لا شك فيه ولعل من ينسب هذا إلى النبي المقدس يوسف ينزه نفسه الرذلة عن مثل المقام فيهلك وقد خشي النبي صلى الله عليه وسلم الهلاك على من ظن به ذلك الظن إذ قال للأنصاريين حين لقيهما هذه صفية
( قال أبو محمد ) ومن الباطل الممتنع أن يظن ظان أن يوسف عليه السلام هم بالزنا وهو يسمع قول الله تعالى كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء فنسأل من خالفنا عن الهم بالزنا بسوء هو أم غير سوء فلا بد أنه سوء ولو قال أنه ليس بسوء لعاند الإجماع فإذ هو سوء وقد صرف عنه السوء فقد صرف عنه الهم بيقين وأيضا فإنها قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا وأنكر هو ذلك فشهد الصادق المصدق إن كان قمصه قد من دبر فكذبت وهو من
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 14
مساهمون: ابن حزم
ص١٤