تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
الكلام على يونس عليه السلام قال أبو محمد وذكروا أمر يونس عليه السلام وقول الله تعالى عنه « وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين » وقوله تعالى « فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون » وقوله لنبيه عليه السلام « فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم » وقوله تعالى « فالتقمه الحوت وهو مليم » قالوا ولا ذنب أعظم من المغاضبة لله عز وجل ومن أكبر ذنبا ممن ظن أن الله لا يقدر عليه وقد أخبر الله تعالى أنه استحق الذم لولا أن تداركه نعمة الله عز وجل وانه استحق الملامة وانه أقر على نفسه أنه كان من الظالمين ونهى الله تعالى نبيه أن يكون مثله قال أبو محمد هذا كله لا حجة لهم فيه بل هو حجة لنا على صحة قولنا والحمد لله رب العالمين أما أخبار الله تعالى أن يونس ذهب مغاضبا فلم يغاضب ربه قط ولا قال الله تعالى أنه غاضب ربه فمن زاد هذه الزيادة كان قائلا على الله الكذب وزائدا في القرآن ما ليس فيه هذا لا يحل ولا يجوز أن يظن بمن له أدنى مسكة من عقل أنه يغاضب ربه تعالى فكيف أن يفعل ذلك نبي من الأنبياء فعلمنا يقينا أنه إنما غاضب قومه ولم يوافق ذلك مراد الله عز وجل فعوقب بذلك وإن كان يونس عليه السلام لم يقصد بذلك إلا رضا الله عز وجل وأما قوله تعالى « فظن أن لن نقدر عليه » فليس علي ما ظنوه من الظن السخيف الذي لا يجوز أن يظن بضعيفة من النساء أو بضعيف من الرجال إلا أن يكون قد بلغ الغاية من الجهل فكيف بنبي مفصل على الناس في العلم ومن المحال المتيقن أن يكون نبي يظن أن الله تعالى الذي أرسله بدينه لا يقدر عليه وهو يرى أن آدميا مثله يقدر عليه ولا شك في أن من نسب هذا للنبي صلى الله عليه وسلم الفاضل فإنه يشتد غضبه لو نسب ذلك إليه أو إلى ابنه فكيف إلى يونس عليه السلام الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفضلوني على يونس بن متى فقد بطل ظنهم بلا شك وصح أن معنى قوله « فظن أن لن نقدر عليه » أي لن نضيق عليه كما قال تعالى « وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه » أي ضيق عليه فظن يونس عليه السلام أن الله تعالى لا يضيق عليه في مغاضبته لقومه إذ ظن أنه محسن في فعله ذلك وإنما نهى الله عز
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 17 | ابن حزم