تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
بخلاف ذلك فصح أن سلامة الجوارح استطاعة وإذا صح هذا فبيقين ندري أن سلامة الجوارح يكون بها الفعل وضده والعمل وتركه والطاعة والمعصية لأن كل هذا يكون بصحة الجوارح فإن قال قائل فإن سلامة الجوارح عرض والعرض لا يبقى وقتين قيل له هذه دعوى بلا برهان والآيات المذكورات مبطلة لهذه الدعوى وموجبة إن هذه الاستطاعة من سلامة الجوارح وارتفاع الموانع موجوده قبل الفعل ثم لو كان ما ذكرتم ما كان فيه دفع لما قاله عز وجل من ذلك ثم وجدنا الله تعالى قد قال « وكانوا لا يستطيعون سمعا » وقال تعالى حاكيا قول الخضر لموسى عليه السلام « إنك لن تستطيع معي صبرا » وقال « ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا » وعلمنا أن كلام الله تعالى لا يتعارض ولا يختلف قال الله تعالى « ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا » فتيقنا أن الاستطاعة التي أثبتها الله تعالى قبل الفعل هي غير الاستطاعة الت نفاها مع الفعل ولا يجوز غير ذلك البتة فإذ ذلك كذلك فالاستطاعة كما قلنا شيئان أحدهما قبل الفعل وهو سلامة الجوارح وارتفاع الموانع والثاني لا يكون إلا مع الفعل وهو القوة الواردة من الله تعالى بالعون والخذلان وهو خلق الله تعالى للفعل فيمن ظهر منه وسمى من أجل ذلك فاعلا لما ظهر منه إذ لا سبيل إلى وجود معنى غير هذا البتة فهذا هو حقيقة الكلام في الاستطاعة بما جاءت به نصوص القرآن والسنن والاجماع وضرورة الحس وبديهة العقل فعلى هذا التقسيم دينا الكلام في هذا الباب فإذا نفينا وجود الاستطاعة قبل الفعل فإنما نعني بذلك الاستطاعة التي بها يقع الفعل ويوجد واجبا ولا بد وهي خلق الله تعالى للفعل في فاعله وإذا أثبتنا الاستطاعة قبل الفعل فإنما نعني بها صحة الجوارح وارتفاع الموانع التي يكون الفعل بها ممكنا متوهما لا واجبا ولا ممتنعا وبها يكون المرء مخاطبا مكلفا مأمورا منهيا وبعد مهما يسقط عنه الخطاب والتكليف ويصير الفعل منه
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 32 | ابن حزم