عز وجل بلا شك وهو عدل وحكمة وحق
قال أبو محمد وأما قولهم أن دخول الجنة على وجه الجزاء على العمل أعلى درجة أسنى رتبة من دخولها بالتفضل المجرد فنقول لهم وبالله تعالى التوفيق هذا خطأ محض لأننا قد علمنا إن هذا الحكم إنما يقع بين الأكفاء والمتماثلين وأما الله تعالى فليس له كفوا أحد ومن كان عبدا لآخر فإن إقبال السيد عليه بالتفضل عليه المجرد والاختصاص والمحاباة أسنى له وأعلى وأشرف لرتبته وأرفع لدرجته من أن لا يعطيه شيئا بمقدار ما يستحقه لخدمته ويستخبره إياه هذا ما ينكره إلا معاند فكيف وليس لأحد على الله حق وحينئذ كل ما وهبه الله تعالى لأحد بين أنبيائه وملائكته عليهم السلام وكل ما أخبر تعالى أنه أوجبه وكتبه على نفسه وجعله حقا لعباده فكل ذلك تفضل مجرد من الله عز وجل واختصاص مبدأ لو لم ينعم به عز وجل لم يجب عليه شيء منه لا يقول غير هذا إلا مدخول الدين فاسد العقل
قال أبو محمد وهم يقرون أن الملائكة أفضل من الأنبياء عليهم جميعهم السلام وصدقوا في هذا ثم نقضوا هذا الأصل بأصلهم هذا السخيف من قولهم أن من دخل الجنة بعد التعريض للبلاء فهو أفضل من ابتداء النعمة والتقريب فنحن على قولهم أفضل من الملائكة على جميعهم السلام وقد قالوا أن الملائكة أفضل من الأنبياء فعلى هذا التقريب أن يكون نحن أفضل من الملائكة بدرجة وأفضل من النبيين بدرجتين وهذا كفر مجرد وتناقض ظاهر وأما قولهم أننا لو خلقنا في الجنة لم يكن بد من التوعد والتحذر فإننا نقول لهم وبالله تعالى التوفيق حتى لو كان ما يقولون لما منع من ذلك أن يخلقوا في الجنة ثم يطلعوا منها فيروا النار ويعاينوا وحشتها وهو لها وقبحها ونفار النفوس عنها كالذي يعرض لنا عند الاطلاع على الغيران العقيمة المظلمة وإن كنا قط لم نقع فيها ولا شاهدنا من وقع
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 178
مساهمون: ابن حزم
ص١٧٨