فهل يفرق بين شيء من هذا إلا من لا عقل له أو مستخف بالباري تعالى وبالدين وأما قولهم لو خلقنا الله تعالى في الجنة لكنا غير مستحقين لذلك النعيم فإنا نقول لهم أخبرونا عن الأعمال التي استحققتم بها الجنة عند أنفسكم أفبضرورة العقل علمتم أن من عملها فقد أستحق الجنة دينا واجبا على ربه تعالى أم لم تعلموا ذلك ولا وجب ذلك إلا حتى أعلمنا الله عز وجل أنه يفعل وجعل الجنة جزاء على هذه الأعمال فأن قالوا بالعقل عرفنا استحقاق الجنة على هذه الأعمال كابروا وكذبوا على العقل وكفروا لأنهم بهذا القول يوجبون الاستغناء عن الرسل عليهم الصلاة والسلام ولزمهم أن الله تعالى لم يجعل الجنة جزاء على هذه الأعمال لكن وجب ذلك عليه حتما لا باختياره ولا بأنه لو شاء غير ذلك لكان له وهذا كفر مجرد وأيضا فأن شريعة موسى عليه السلام في السبت وتحريم الشحوم وغير ذلك قد كان الجنة جزاء على العمل بها ثم صارت ألآن جهنم جزاء على العمل بها فهل ها هنا الا أن الله تعالى أراد ذلك فقط ولو لم يرد ذلك لم يجب من ذلك شيء فأن قالوا بل ما علمنا استحقاق الجنة بذلك إلا بخبر الله تعالى أنه حكم بذلك فقط قيل لهم فقد كان الله تعالى قادرا على أن يخبرنا أنه جعل الجنة حقا لنا يختر عنا فيها كما فعل بالملائكة وحور العين وأيضا فقد كذبوا في دعواهم استحقاق الجنة بأعمالهم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من أحد ينجيه عمله أو يدخله الجنة عمله قيل لا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه أو كلاما هذا معناه وأيضا فبضرورة العقل ندري أن ما زاد على المماثلة في الجزاء فيما بيننا فإنه تفضل مجرد في الإحسان وجور في الإساءة هذا حكم المعهود في العقل فعل أصول المعتزلة يلزمهم أن بقاء أحدنا في الجنة أو في النار أكثر من إحسانه أو إساءته جزاء على ما سلف منه فضل مجرد وعقاب زايد على مقدار الجرم وقد فعله الله
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 177
مساهمون: ابن حزم
ص١٧٧