لهم فاقنعوا بمثل هذا الجواب ممن قال لكم أنه أراد كونه لأنه حكيم كريم عزيز وله في ذلك سر من الحكمة
قال أبو محمد وأما نحن فنقول أنه تعالى أراد كون كل ذلك ولا سر هاهنا وأن كل ما فعل فهو حكمة وحق وأن قولهم هذا هادم لمقدمتهم الفاسدة أنه يقبح من الباري تعالى ما يقبح منا وفيما بيننا وما علم قط ذو عقل أن من خلى من عدوه منطلق اليد على وليه وأحب الناس إليه يقتله ويعذبه ويلطمه ويهينه ويتركه ينطلق على عبيده وإمائه يفجر بهم وبهن طوعا وكرها والسيد حاضر يرى ويسمع وهو قادر على المنع من ذلك فلا يفعل بل لا يقنع بتركهم إلا حتى يعطي عدوه القوة على كل ذلك والآلات المعينة له ويمده بالقوى شيئا بعد شيء فليس حكيما ولا حليما ولكنه عابث ظالم جائر فيلزمهم على أصلهم الفاسد أن يحكموا على الله تعالى بكل هذا لأنهم معترفون بأنه تعالى فعل كل هذا وهذا لا يلزمنا لأننا نقول أن الله تعالى يفعل ما يشاء وأن كل ما فعل مما ذكرنا وغيره فهو كله منه تعالى حكمة وحق وعدل لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فبطل بضرورة المشاهدة قولهم أن الله تعالى لم يرد كون الكفر أو كون الفسق أو كون شتمه تعالى وقتل أنبيائه عليهم الصلاة والسلام ولو لم يرد كونه لمنع من ذلك كما منع من كون كل ما لم يرد أن يكون
قال أبو محمد ويكفي من هذا كله اجتماع الأمة على قول ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فهذا على عمومه موجب أن كل ما في العالم كان أو يكون أي شيء كان فقد شاءه الله تعالى وكل ما لم يكن ولا يكون فلم يشأه الله تعالى نصا لا يحتمل تأويلا على أنه أراد كون كل ذلك فمن ذلك قوله تعالى « لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين » فنص تعالى نصا جليا على أنه لا يشاء أحد استقامة على طاعته تعالى إلا إن شاء الله تعالى أن يستقيم فلو
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 144
مساهمون: ابن حزم
ص١٤٤