Skip to main content

الفصل في الملل والأهواء والنحل — Page 127

Contributors:

P.127
لا محيد عنه وبالله تعالى التوفيق فإن قروا أن العقول والذكاء وقبول العلم ذكاء الخاطر ودقة الفهم غير موهوبة من الله تعالى عز وجل قلنا لهم فمن خلقها فإن قالوا هي فعل الطبيعة قلنا لهم ومن خلق الطبيعة التي فعلت العقول وكل ذلك بذلتها متفاضلة فمن قولهم أن الله تعالى خلقها فيقال لهم فهو موجب المحاباة إذ رتب الطبيعة رتبة المحاباة ولا بد وأن قالوا لم تخلق الطبيعة ولا العقول لحقوا بالدهرية وصاروا إلى ما لم يرد لهم المصير إليه وهذا لا مخلص لهم منه أصلا وبالله تعالى التوفيق وبالضرورة ندري أن من كان تميزه أتم كان اهتداؤه واعتصامه أتم على أصولهم وهذا هو المحاباة التي أنكروها وسموها ظلما وجورا قال أبو محمد ومهما أمكنهم من الدفاع والقحة في شيء فإنه لا يمكنهم اعتراض أصلا في أن فضل الله تعالى على المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام وعلى يحيى بن زكريا إذ جعل عيسى نبيا ناطقا عاقلا في المهد رسولا حين سقوطه من بطن أمه وإذ آتى يحيى الحكم صبيا أتم وأعلا وأكثر من فضله على من ولد في أقاصي بلاد الخز والزنج حيث لم يستمع قط ذكر محمد صلى الله عليه وسلم إلا متبعا أقبح الذكر من التكذيب وأنه كان متخيلا وأكثر من فضله بلا شك على فرعون إذ دعا موسى عليه الصلاة والسلام فقال « ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم قال قد أجيبت دعوتكما » قال أبو محمد أن من ضل بعد هذا لضال وأن من قال أن فضل الله عز وجل وعطاءه لموسى وعيسى ويحيى ومحمد صلى الله عليه وسلم وعصمته لهم كفضله وعطائه على فرعون وملئه وعصمته لهم الذين نص عز وجل على أنه شد على قلوبهم شدا منعهم الإيمان حتى يروا العذاب الأليم فلا ينفعهم إيمانهم حينئذ لضعيف العقل قليل العلم مهلهل اليقين ولا بيان أبين
الفصل في الملل والأهواء والنحل — Page 127 | ابن حزم