النعيم فهلا عذب الملائكة وحور العين ليعظ بهم الجن والإنس وهل هذا على أصولهم إلا غاية المحاباة والظلم والعبث تعالى الله عن ذلك يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه وسألهم أصحابنا عن إيلام الله عز وجل الصغار والحيوان وإباحته تعالى ذبحها فوجموا عند هذه وقال بعضهم لأن الله تعالى يعوضهم على ذلك
قال أبو محمد وهذا غاية العبث فيما بيننا ولا شيء أتم في العبث والظلم ممن يعذب صغيرا ليحسن بعد ذلك إليه فقالوا أن تعويضه بعد العذاب بالجدري والأمراض أتم وألذ من تنعيمه دون تعذيب
قال أبو محمد وفي هذا عليهم جوابان أحدهما أن يقول لهم أكان الله تعالى قادرا على أن يوفى الأطفال والحيوان ذلك النعيم دون إيلام أو كان غير قادر على ذلك فإن قالوا كان غير قادر جمعوا مع الكفر الجنون لأن ضرورة العقل يعلم بها أنه إذا قدر على أن يعطيهم مقدارا ما من النعيم بعد الإيلام فلا شك في أنه قادر على ذلك المقدار نفسه دون إيلام يتقدمه ليس في العقل غير هذا أصلا إذ ليس ها هنا منزلة زائدة في القدرة ولا فعلان مختلفان وإنما هو عطاء واحد في كلا الوجهين وإن قالوا أنه قادر على ذلك فقد وجب العبث على أصولهم إذ كان قادرا على أن يعطيهم دون إيلام ما لم يعطهم إلا بعد غاية الإيلام والجواب الثاني أن نريهم صبيانا وحيوانا أماتهم في خير دون إيلام وهذه محاباة وظلم للمؤلم منهم فقالوا أن المؤلم لم يزدد في نعيمه لأجل إيلامه فقلنا لهم فهذه محاباة بزيادة النعيم للمؤلم فهلا آلم الجميع ليسوي بينهم في النعيم أو هلا يسوي بينهم في النعيم بأن لا يؤلم منهم أحدا وهذا ما لا انفكاك منه البتة وقال بعضهم فعل ذلك ليعظ بهم غيرهم
قال أبو محمد وهذا غاية الجور بيننا ولا عبث أعظم من أن يعذب إنسانا لا ذنب له ليوعظ بذلك آخرون مذنبون وغير مذنبين والله تعالى
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 118
مساهمون: ابن حزم
ص١١٨