تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 11

مساهمون:

ص١١
قال أبو محمد فهذه حقيقة البيان في هذه المسألة الذي لم نتعهد فيه ما قاله الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم وأجمعت الأمة كلها على جملته وأوجبته الضرورة والحمد لله رب العالمين فإن سأل سائل عن اللفظ بالقرآن قلنا له سؤالك هذا يقتضي أن اللفظ المسموع هو غير القرآن وهذا باطل بل اللفظ المسموع هو القرآن نفسه وهو كلام الله عز وجل نفسه كما قال تعالى « حتى يسمع كلام الله » وكلام الله تعالى غير مخلوق لما ذكرنا وأما من أفرد السؤال عن الصوت وحروف الهجاء والحبر فكل ذلك مخلوق بلا شك قال أبو محمد ونقول أن الله تعالى قد قال ما أخبرنا انه قاله وأنه تعالى لم يقل بعد ما أخبرنا أنه سيقول في المستأنف ولكن سيقوله ومن تعدى هذا فقد كذب الله جهلا وأما من قال أن الله تعالى لم يزل قائلا كن لكل ما كونه أو يريد تكوينه فإن هذا قول فاحش موجب أن العالم لم يزل لأن الله تعالى أخبرنا أنه تعالى « إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون » فصح أن كل مكون فهو كائن أثر قول الله تعالى له كن بلا مهلة فلو كان الله تعالى لم يزل قائلا كن لكان كل مكون لم يزل وهذا قول من قال أن العالم لم يزل وله مدبر خالق لم يزل وهكذا كفر مجرد نعوذ بالله منه وقول الله تعالى هو غير تكليمه لأن تكليم الله تعالى من كلم فضيلة عظيمة قال أبو محمد قال الله تعالى « منهم من كلم الله » وأما قوله فقد يكون سخطا قال تعالى أنه قال لأهل النار « اخسؤوا فيها ولا تكلمون » وقال لإبليس « ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي » قال اخرج منها ولا يجوز أن يقال إبليس كليم الله ولا أن أهل النار كلماه الله فقول الله عز وجل محدث بالنص وبرهان ذلك أيضا قول الله تعالى « إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم » ثم قال تعالى أنه قال لهم « اخسؤوا فيها ولا تكلمون » وقال تعالى أنهم قالوا « ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون » فنص تعالى على أنه لا يكلمهم وأنه يقول لهم
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 11 | ابن حزم