تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
وإن كان ممرضا أو معتقا أو خائفا من مكروه فإنما صرف في ذلك كلما وهبه الله عز وجل من الكلام والقوة والحواس والأعضاء وإنما تصرف بكل ذلك في ملك الله عز وجل وفيما هو تعالى أولى به منه فالنعمة لله عز وجل دونه فالله تعالى هو ولي كل نعمة فإذ لا شك في ذلك فلا منعم إلا من سماه الله تعالى منعما ولا يجب شكر منعم إلا بعد أن يوجب الله تعالى شكره فحينئذ يجب وإلا فلا ويكون حينئذ من لم يشكره عاصيا فاسقا أتى كبيرة لخلاف أمر الله تعالى بذلك فقط ولا فرق بين تولدنا من منى أبوينا وبين تولدنا من التراب والأرض ولا خلاف في أنه لا يلزمنا بر التراب ولا له علينا حق ليس ذلك إلا لأن الله تعالى لم يجعل له علينا حقا وقد يرضع الصغير شاة فلا يجب لها عليه حق لأن الله تعالى لم يجعله لها وجعله للأبوين وإن كانا كافرين مجنونين ولم يتوليا تربيتنا بل اشتغلا عنا بلذاتهما ليس ههنا إلا أمر الله تعالى فقط وبرهان آخر أن امرأ لو زنى بامرأة عالما بتحريم ذلك أو غير ذلك عالم إلا أنه ممن لا يلحق به الولد المخلوق من نطفته النازلة من ذلك الوطء فإن بره لا يلزم ذلك الولد أصلا ويلزمه بر أمه لأن الله تعالى أمره بذلك لها ولم يأمره بذلك في الذي تولد من نطفته فقط ولا فرق في العقل بين الرجل والمرأة في ذلك ولا فرق في المعقول وفي الولادة تولد الجنين من نطفة الواطئ لامه بين أولاد الزنا وأولاد الرشدة لكن لما ألزم الله تعالى أولاد الرشدة المتولدين عن عقد نكاح أو ملك يمين فاسدين أو صحيحين بر آمائهم وشكرهم وجعل عقوقهم من الكبائر لزمنا ذلك ولما لم يلزم ذلك أولاد الزانية لم يلزمهم وقد علمنا نحن وهم يقينا أن رجلين مسلمين لو خرجا في سفر فأغار أحدهما على قرية من قرى دار الحرب فقتل كل رجل بالغ فيها وأخذ جميع أموالهم وسبى ذراريهم ثم خمس ذلك بحكم الإمام العدل ووقع في حظه أطفال قد تولى هو قتل آبائهم وسبى أمهاتهم ووقعن
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 108 | ابن حزم