تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا » فنحن نقول كما قال الله تعالى أراد ويريد ولم يرد ولا يريد ولا نقول أن له إرادة ولا أنه مريد لأنه لم يأت نص من الله تعالى بذلك ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم ولا جاء قط من أحد من السلف رضي الله عنهم وإنما أطلق هذا الإطلاق الفاحش قوم من الخوالف المسمين بالمتكلمين الخوف عليهم أقوى من رجاء السلامة لهم لا قدم صدق لهم في الاسلام ولا في الورع ولا في الاجتهاد في الخير ولا في العلم بالقرآن ولا بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بما أجمع عليه المسلمون ولا بما اختلفوا فيه ولا بأقوال الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين ولا بحدود الكلام وحقائق مائيات المخلوقات وكيفياتها فهم يتبعون ما ترآى لهم ويقتحمون المهالك بلا هدى من الله عز وجل نعوذ بالله من ذلك وقد قال تعالى « ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم » فنص تعالى على أن من لم يرد ما اختلف فيه إلى كتابه وإلى كلام رسوله صلى الله عليه وسلم وإلى إجماع العلماء من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين ولا من سلك سبيلهم بعدهم فلم يعلم ما استنبطه بظنه ورأيه وليس ننكر الحاجة على القصد إلى تبيين الحق وتبيينه بل هذا هو العمل الفضل الحسن وإنما ننكر الإقدام في الدين بغير برهان من قرآن أو سنة أو إجماع بعد أن أوجبه برهان الحس وأول بديهة العقل والنتائج الثابتة من مقدماته الصحيحة من صحة التوحيد والنبوة فإذا ثبتا بما ذكرنا فضرورة العقل توجب الوقوف عند جميع ما قاله الرسول الذي بعثه الله تعالى إلينا وأمرنا بطاعته وأن لا يعترض عليه بالظنون الكاذبة والآراء الفاسدة والقياسات السخيفة والتقليد المهلك فإن قال قائل وما الذي يمنع من أن نقول لم يزل الله مريدا لما أراد كونه إذا كونه قلنا وبالله تعالى التوفيق يمنع من ذلك أن الله عز وجل أخبر نصا بأنه إذا أراد شيئا كونه فكان فلو كان تعالى لم يزل مريدا لكان لم يزل ما يريد وهذا إلحاد ويقال لهم أيضا وما الفرق بينكم وبين من عكس قولكم
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 177 | ابن حزم