قال أبو محمد وهذا كلام صحيح على ظاهره إذ كل ما أحاط به العلم فهو متناه محدود وهذا منفي عن الله عز وجل وواجب في غيره لوقوع العدد المحاط به في أعراض كل ما دونه تعالى ولا يحاط بما لا حدود له ولا عدد له فصح يقينا أننا نعلم الله عز وجل حقا ولا نحيط به علما كما قال تعالى
قال أبو محمد فالآنية في الله تعالى هي المائية التي أنكرها أهل الجهل بحقائق الأمور وبالقرآن وبالسنن نحمد الله عز وجل على ما من به علينا من تيسير الاتباع كتابة وتدبره وطلب سنن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والوقوف عندهما ومعرفتهما بأن العقل لا يحكم به على خالقه لكن يفهم به أوامره تعالى ويميز به حقائق ما خلق فقط وما توفيقنا إلا بالله وأما قولهم لو كانت له مائية لكانت له كيفية فكلام قوم جهال بالحقائق وقد بينا وبان لكل ذي عقل أن السؤال بما هو الشيء غير السؤال يكيف هو الشيء وأن المسؤول عنه بإحدى اللفظتين المذكورتين غير المسؤول عنه بالأخرى وأن الجواب عن إحداهما غير الجواب عن الأخرى وبيان ذلك أن السؤال بما هو إنما هو سؤال عن ذاته واسمه وأن السؤال بكيف هو إنما سؤال عن حاله وإعراضه وهذا لا يجوز أن يوصف به الباري تعالى فلاح الفرق ظاهرا وبالله تعالى التوفيق
مسائل في السخط والرضا والعدل والصدق والملك والخلق والجود والإرادة والسخاء والكرم وما يخبر عنه تعالى بالقدرة عليه وكيف يصح السؤال في ذلك كله
قال أبو محمد نقول لم يزل الله تعالى عالما بأنه سيسخط على الكفار وسيرضى على المؤمنين وسيعذب بالنار من عصاه وسينعم بالجنة من أطاعه وسيعدل إذا حكم وسيصدق إذا أخبر ولم يزل عالما بأنه سيخلق ما يخلق وأنه رب ما يخلق من العالمين ومالك كل شيء ويوم الدين وأن له ملك كل ما يخلق لأن كل ما ذكرنا يقتضي وجود كل ما علق به وكل ما علق به محدث لم يكن ثم كان ولم يزل تعالى عليما بكل ذلك وأنه سيكون كل
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 175
مساهمون: ابن حزم
ص١٧٥