قال أبو محمد ومعنى كل ما جاء في القرآن من الآيات التي ذكروا هو ما نبينه إن شاء الله تعالى بحوله عز وجل
هو أنه لما أخبرنا الله عز وجل بأن أهل النار لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وأخبرنا عز وجل بأنه يعلم متى تقوم الساعة وأخبرنا ما تقول أهل الجنة وأهل النار قبل أن يقولوا أو سائر ما في القرآن والأخبار الصادقة عما لم يكن بعد علمنا بذلك أن علمه تعالى بالأشياء كلها مقدم لوجودها ولكونها ضرورة وعلمنا أن كلامه عز وجل لا يتناقض ولا يتدافع وأن المراد بقوله تعالى حتى نعلم المجاهدين منكم وسائر ما في القرآن من مثل هذا إنما هو على ظاهره دون تكلف تأويل بل على المعهود بيننا كقوله تعالى « فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى » فما هو كله على حسب إدراك لمخاطب ومعنى ذلك أي حتى نعلم من يجاهد منكم مجاهدا ونعلم من يصير منكم صابرا وهذا لا يكون إلا في حين جهادهم وحين صبرهم وأما قبل أن يجاهدوا ويصبروا فإنما علمهم غير مجاهدين وغير صابرين وأنهم سيجاهدون ويصبرون فإذا جاهدوا علمهم حينئذ مجاهدين وإنما الزمان في كل هذا للعلوم وأما علمه تعالى ففي غير زمان وليس ههنا تبدل علم وإنما يتبدل المعلوم فقط والعلم بكل ذلك لم يزل غير متبدل فإن قالوا متى علم الله زيدا ميتا
فإن قلتم لم يزل يعلمه ميتا وجب أن زيدا لم يزل ميتا وهذا محال وإن قلتم لم يعلمه ميتا حتى مات فهذا قولنا لا قولكم فالجواب عن هذا أننا لا نقول شيئا مما ذكر ولكننا نقول أن الله عز حجل لم يزل يعلم أنه سيخلف زيدا وأنه سيعيش كذا وكذا وأنه سيموت في وقت كذا فعلم الله تعالى بكل ذلك واحد لا يتبدل ولا يستحيل ولا زاد فيه تبدل الأحوال التي للمعلوم شيئا ولا نقص منه عدمها شيئا ولا أحدث له حدوث ذلك علما لم يكن وإنما تغاير المعلومات لا العلم ولا العليم ولا القدرة ولا القدير والفرق بين القول متى علم الله زيدا ميتا وبين القول متى علمت زيدا ميتا فرق بين وهو أن علمي بأن زيدا مات هو عرض حدث في النفس بحدوث موت زيد وهو غير علمي بأن زيدا حي وأنه
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 130
مساهمون: ابن حزم
ص١٣٠