قال أبو محمد فإذا قد صح ما ذكرنا فقد ثبت ضرورة أن قول القائل متى علم الله زيدا ميتا سؤال فاسد بالضرورة لأن متى سؤال عن زمان وعلم الله تعالى ليس في زمان أصلا لأنه ليس هو غير الله تعالى وقد مضى البرهان على أن الله تعالى ليس في زمان ولا في مكان وإنما الزمان والمكان للمعلوم فقط بما بينا وبالله تعالى التوفيق فإن اعترض معترض بقول الله عز وجل « ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء » فقال أن من للتبعيض ولا يتبعض إلا محدث مخلوق ولا يحاط إلا بمخلوق محدث وقد نص الله تعالى أنه يحاط بما شاء من علمه فوجب أن علمه مخلوق لأنه محاط ببعضه وهو متبعض فالجواب وبالله تعالى التوفيق أن كلام الله تعالى واجب أن يحمل على ظاهره ولا يحال عن ظاهره البتة إلا أن يأتي نص أو إجماع أو ضرورة حس على أن شيئا منه ليس على ظاهره وأنه قد نقل عن ظاهره إلى معنى آخر فالانقياد واجب علينا لما أوجبه ذلك النص والإجماع أو الضرورة لأن كلام الله تعالى وإخباره وأوامره لا تختلف والإجماع لا يأتي إلا بحق والله تعالى لا يقول إلا الحق وكل ما أبطله برهان ضروري فليس بحق فإن هذا كما قلنا وقد ثبت ضرورة أن علم الله تعالى ليس عرضا ولا جسما أصلا لا محمولا فيه ولا في غيره ولا هو شيء غير الباري عز وجل فبالضرورة نعلم أن معنى قوله عز وجل ولا يحيطون بشيء من علمه إنما المراد العلم المخلوق الذي أعطاه عباده وهو عرض في العالمين محمول فيهم وهو مضاف إلى الله عز وجل بمعنى الملك وهذا لا شك فيه لأنه لا علم لنا إلا ما علمنا قال الله عز وجل « وما أوتيتم من العلم إلا قليلا » يريد تعالى ما خلق من العلوم وبثها في عباده كما قال الخضر لموسى عليهما السلام إني على علم من علم الله لا تعلمه أنت وأنت على علم من علم الله لا أعلمه أنا وما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر
قال أبو محمد فهذه إضافة الملك وكما قال تعالى في عيسى أنه روح الله وهذا كله إضافة الملك فها معنى قوله تعالى ولا يحيطون بشيء من علمه
الفصل في الملل والأهواء والنحل — صفحة 133
مساهمون: ابن حزم
ص١٣٣