التي خلقت منها يبين أن الأمر إلى مشية اللّه محضا فله أن يعمم فيضا من فيوضه على جميع خلقه كالنور العام والرحمة العامة ، وله أن يختص بفيض من فيوضه بعضا من خلقه دون بعض كالنور الخاص والرحمة الخاصة .
وقوله :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
تعليل لقوله :
« يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ »
فإن إطلاق القدرة على كل شيء يستوجب أن لا يتوقف شيء من الأشياء في كينونته على أمر وراء مشيته وإلا كانت قدرته عليه مشروطة بحصول ذلك الأمر وهذا خلف . وهذا باب من التوحيد دقيق سيتضح بعض الاتضاح إن شاء اللّه بما في البحث الآتي « 1 » .
قوله تعالى :
لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
يريد آية النور وما يتلوها المبينة لصفة نوره تعالى والصراط المستقيم سبيله التي لا سبيل للغضب والضلال إلى من اهتدى إليها كما قال :
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
( الحمد / 7 ) ، وقد تقدم الكلام فيه في تفسيره سورة الحمد .
وتذييل الآية بقوله :
« وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
هو الموجب لعدم تقييد قوله :
« لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ »
بلفظة إليكم بخلاف قوله قبل آيات :
« لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ »
.
إذ لو قيل : لقد أنزلنا إليكم آيات مبينات واللّه يهدي . تبادر إلى الذهن أن البيان اللفظي هداية إلى الصراط المستقيم وأن المخاطبين عامة مهديّون إلى الصراط المستقيم وفيهم المنافق والذين في قلوبهم مرض واللّه العالم « 2 » .
هامش
( 1 ) . النور 35 - 46 : بحث فلسفي في الارتباط الوجودي بين كل شيء وبين علله الممكنة .
( 2 ) . النور 35 - 46 : بحث روائي حول قوله تعالى :« اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ » ؛معنى النور .