بطل ما دونه لتقوّمه بما فوقه ، كما أنه لو لم يكن هناك عالم أرضي أو التدبير الذي يجري فيه بالعموم لم يكن عالم إنساني ولا التدبير الذي يجري فيه بالخصوص .
ولازم ذلك أن يكون الإله الذي يرجع اليه نوع عال من التدبير عاليا بالنسبة إلى الإله الذي فوّض اليه من التدبير ما هو دونه وأخصّ منه وأخسّ واستعلاء الإله على الإله محال .
لا لأن الاستعلاء المذكور يستلزم كون الإله مغلوبا لغيره أو ناقصا في قدرته محتاجا في تمامه إلى غيره أو محدودا والمحدودية تفضي إلى التركيب ، وكل ذلك من لوازم الإمكان المنافي لوجوب وجود الإله فيلزم الخلف - كما قرّره المفسرون - فإن الوثنيين لا يرون لآلهتهم من دون اللّه وجوب الوجود بل هي عندهم موجودات ممكنة عالية فوّض إليهم تدبير أمر ما دونها ، وهي مربوبية للّه سبحانه وأرباب لما دونها واللّه سبحانه رب الأرباب وإله الآلهة وهو الواجب الوجود بالذات وحده .
بل استحالة الاستعلاء إنما هو لاستلزامه بطلان استقلال المستعلى عليه في تدبيره وتأثيره إذ لا يجامع توقف التدبير على الغير والحاجة اليه الاستقلال فيكون السافل منها مستمدا في تأثيره محتاجا فيه إلى العالي فيكون سببا من الأسباب التي يتوسل بها إلى تدبير ما دونه لا إلها مستقلا بالتأثير دونه فيكون ما فرض إلها غير إله بل سببا يدبّر به الأمر هذا خلف .
قوله تعالى :
عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
صفة لاسم الجلالة في قوله :
« سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ »
وتأخيرها للدلالة على علمه بتنزهه عن وصفهم إياه بالشركة - على ما يعطيه السياق - فيكون في معنى قوله :
قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ
( يونس / 18 ) .
ويرجع في الحقيقة إلى الاحتجاج على نفي الشركاء بشهادته تعالى أنه لا يعلم لنفسه شريكا كما أن قوله :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
( آل عمران / 18 ) احتجاج بالشهادة على