تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
وهذا معنى قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم في حديث الحارثة بن النعمان المروي في الكافي وغيره : إن لكل حق حقيقة ولكل صواب نوارا . الحديث « 1 » . قوله تعالى :
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
اللغو من الفعل هو ما لا فائدة فيه ويختلف باختلاف الأمور التي تعود عليها الفائدة فربّ فعل هو لغو بالنسبة إلى أمر وهو بعينه مفيد مجد بالنسبة إلى أمر آخر . فاللغو من الأفعال في نظر الدين الأعمال المباحة التي لا ينتفع بها في الآخرة أو في الدنيا بحيث ينتهي أيضا إلى الآخرة كالأكل والشرب بداعي شهوة التغذي اللذين يتفرع عليهما التقوّي على طاعة اللّه وعبادته ، فإذا كان الفعل لا ينتفع به في آخر ولا في دنيا تنتهي بنحو إلى آخرة فهو اللغو وبنظر أدق هو ما عدا الواجبات والمستحبات من الأفعال . ولم يصف سبحانه المؤمنين بترك اللغو مطلقا فإن الانسان في معرف العثرة ومزلة الخطيئة وقد عفا عن السيئات إذا اجتنبت الكبائر كما قال :
إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً
( النساء / 31 ) . بل وصفهم بالإعراض عن اللغو دون مطلق تركه والإعراض يقتضي أمرا بالفعل يدعو إلى الاشتغال به فيتركه الانسان صارفا وجهه عنه إلى غيره لعدم اعتداده به واعتنائه بشأنه ، ولازمه ترفّع النفس عن الأعمال الخسيسة واعتلاؤها عن الاشتغال بما ينافي الشرف والكرامة وتعلّقها بعظام الأمور وجلائل المقاصد . ومن حق الإيمان أن يدعو إلى ذلك فإن فيه تعلّقا بساحة العظمة والكبرياء ومنبع العزة والمجد والبهاء والمتصف به لا يهتمّ إلا بحياة سعيدة أبدية خالدة فلا يشتغل إلا بما يستعظمه الحق ولا يستعظم ما يهتمّ به سفلة الناس وجهلتهم ، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ، وإذا
هامش
( 1 ) . المؤمنون 1 - 11 : كلام في معنى تأثير الايمان .