تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
بالشيء مع السكون والاطمئنان اليه ولا ينفكّ السكون إلى الشيء من الالتزام بلوازمه لكن العلم ربما ينفكّ من السكون والالتزام ككثير من المعتادين بالأعمال الشنيعة أو المضرّة فإنهم يعترفون بشناعة عملهم أو ضرره لكنهم لا يتركونها معتذرين بالاعتياد وقد قال تعالى :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
( النمل / 14 ) . والإيمان وإن جاز أن يجتمع مع العصيان عن بعض لوازمه في الجملة لصارف من الصوارف النفسانية يصرف عنه لكنه لا يتخلف عن لوازمه بالجملة . قوله تعالى :
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ
الخشوع تأثر خاص من المقهور قبال القاهر بحيث ينقطع عن غيره بالتوجه اليه والظاهر أنه من صفات القلب ثم ينسب إلى الجوارح أو غيرها بنوع من العناية كقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم - على ما روي - فيمن يعبث بلحيته في الصلاة : أما إنه لو خشع قلبه لخشعت جوارحه ، وقوله تعالى :
وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ
( طه / 108 ) . والخشوع بهذا المعنى جامع لجميع المعاني التي فسّر بها الخشوع في الآية ، كقول بعضهم : هو الخوف وسكون الجوارح ، وقول آخرين : غضّ البصر وخفض الجناح ، أو تنكيس الرأس ، أو عدم الالتفات يمينا وشمالا ، أو إعظام المقام وجمع الاهتمام ، أو التذلّل إلى غير ذلك . وهذه الآية إلى تمام ثماني آيات تذكر من أوصاف المؤمنين ما يلازم كون وصف الإيمان حيّا فعّالا يترتب عليه آثاره المطلوبة منه ليترتب عليه الغرض المطلوب منه وهو الفلاح فإن الصلاة توجه ممن ليس له إلا الفقر والذلّة إلى ساحة العظمة والكبرياء ومنبع العزة والبهاء ولازمه أن يتأثر الإنسان الشاعر بالمقام فيستغرق في الذلّة والهوان وينتزع قلبه عن كل ما يلهوه ويشغله عما يهمّه ويواجهه ، فلو كان إيمانه إيمانا صادقا جعل همّه حين التوجه إلى ربه همّا واحدا وشغله الاشتغال به عن الالتفات إلى غيره فما ذا يفعل الفقير المحض إذا لقي غنى لا يقدّر بقدر ؟ والذليل إذا واجه عزة مطلقة لا يشوبها ذلّة وهوان ؟